تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
الملائكة كالتشريف للنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وذلك يدلّ على كون الملائكة أشرف من النبي . ولقائل أن يقول : هذا ينتقض بقوله :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً »
فأمر المؤمنين بالصلاة على النبي ، ولم يلزم كون المؤمنين أفضل من النبي ، فكذا في الملائكة . واحتجّ من قال بتفضيل الأنبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - على الملائكة بأمور : أحدها : أن اللّه - تعالى - أمر الملائكة بالسجود لآدم ، وثبت أن آدم لم يكن كالقبلة ، فوجب أن يكون آدم أفضل منهم ؛ لأن السجود نهاية التواضع ، وتكليف الأشرف بنهاية التواضع للأدون مستقبح في العقول . وثانيها : أن آدم - عليه الصلاة والسلام - خليفة له ، والمراد منه خلافة الولاية لقوله :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ
[ ص : 26 ] . ومعلوم أن أعلى الناس منصبا عند الملك من كان قائما مقامه في الولاية والتصرف ، فهذا يدل على أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان أشرف الخلائق . فالدنيا خلقت متعة لبقائه ، والآخرة مملكة لجزائه ، وصارت الشياطين ملعونين بسبب التكبّر عليه ، والجن رعيته ، والملائكة في طاعته وسجوده ، والتواضع له ، ثم صار بعضهم حافظين له ولذريته ، وبعضهم منزلين لرزقه وبعضهم مستغفرين لزلّاته . وثالثها : أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان أعلم ، والأعلم أفضل ، أما أنه أعلم فلأنه - تعالى - لما طلب منهم علم الأسماء
قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا
[ البقرة : 32 ] فعند ذلك قال اللّه :
يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ
[ البقرة : 33 ] وذلك يدلّ على أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان عالما بما لم يكونوا عالمين به ، والعالم أفضل لقوله تعالى :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
[ الزمر : 9 ] . ورابعها : قوله تعالى :
* إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ
[ آل عمران : 33 ] والعالم عبارة عن كل ما سوى اللّه - تعالى - فمعناه أن اللّه - تعالى - اصطفاهم على المخلوقات . فإن قيل : يشكل بقوله تعالى :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ
[ البقرة : 47 ] . قلنا : الإشكال مدفوع ؛ لأن قوله :
« وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ »
خطاب مع الأنبياء الذين كانوا أسلاف اليهود ، وحينما كانوا موجودين لم يكن محمد - عليه الصّلاة والسّلام - موجودا في ذلك الزمان ، والمعدوم لا يكون من العالمين ؛ لأن اشتقاق العالم من العلم فكل ما كان علما على اللّه ودليلا عليه فهو عالم ، وإذا كان كذلك لم يلزم اصطفاء اللّه إياهم على العالمين في ذلك الوقت أن يكونوا أفضل من محمد - عليه الصلاة والسلام -
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 536 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب