تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
الثاني عشر : قوله تعالى :
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ
[ الانفطار : 10 ، 11 ] فيدخل فيه الأنبياء وغيرهم ، وهذا يقتضي كونهم أفضل من البشر لوجهين : الأوّل : أنه - تعالى - جعلهم حفظة ، والحافظ للمكلّف عن المعصية يكون أبعد عن الخطأ من المحفوظ ، وذلك يقتضي كونهم أبعد عن المعاصي ، وأقرب إلى الطّاعات من البشر ، وذلك يقتضي مزيد الفضل . والثاني : أنه - سبحانه - جعل كتابتهم حجّة للبشر في الطّاعات ، وعليهم في المعاصي ، وذلك يقتضي أن يكون قولهم أولى بالقبول من قول البشر ، ولو كان البشر أعظم حالا منهم لكان الأمر بالعكس . ولقائل أن يقول : أما كون الحافظ أكرم من المحفوظ ، فهذا بعيد ، فإن الملك قد يوكّل بعض عبيده على ولده . وأما الثاني فقد يكون الشاهد أدون حالا من المشهود عليه . الثالث عشر : قوله تعالى :
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ
[ النبأ : 38 ] . والمقصود من ذكر أحوالهم المبالغة في شرح عظمة اللّه وجلاله ، ولو كان في الخلق طائفة أخرى قيامهم وتضرعهم أقوى في الإنباء عن عظمة اللّه وجلاله وكبريائه من قيامهم لكان ذكرهم أولى . ولقائل أن يقول : ذلك يدلّ على أنهم أزيد حالا من البشر في بعض الأمور ، فلم لا يجوز أن تكون تلك الحالة هي قوتهم وشدّتهم وبطشهم ؟ وهذا كما يقال : إن السّلطان لما جلس وقف حول سريره ملوك أطراف العالم خاضعين فإن عظمة السّلطان إنما تشرح بذلك ، ثم إنّ هذا لا يدلّ على أنهم أكرم عند السلطان من ولده ، فكذا ها هنا . الرابع عشر : قوله :
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
[ البقرة : 285 ] فبيّن تعالى أنه لا بدّ في صحّة الإيمان من الإيمان بهذه الأشياء ، فبدأ بنفسه ، وثنّى بالملائكة ، وثلّث بالكتب ، وربّع بالرسل ، وكذا في قوله :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ
[ آل عمران : 18 ] ، وقال :
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
[ الأحزاب : 56 ] ، والتقديم في الذّكر يدلّ على التقديم في الدرجة ؛ لأن تقديم الأدون على الأشرف في الذكر قبيح عرفا ، فوجب أن يكون قبيحا شرعا . ولقائل أن يقول : هذه الحجّة ضعيفة ؛ لأن الاعتماد إن كان على « الواو » ف « الواو » لا تفيد الترتيب ، وإن كان على التقديم في الذّكر فينتقض بتقديم سورة « تبّت » على سورة
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
[ الإخلاص : 1 ] . الخامس عشر : قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ »
، فجعل صلوات