تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
أما الحجّة السّابعة : فهي جمع بين الطّرفين من غير جامع . فإن قيل : فإذا لم يكن أفضل منهم ، فما الحكمة بالأمر بالسجود له ؟ قيل له : إنّ الملائكة لما استعظموا تسبيحهم ، وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريه استغناءه عنهم ، وعن عبادتهم . وقال بعضهم : عيروا آدم واستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به ، فأمروا بالسجود له تكريما ، ويحتمل أن يكون إنما أمرهم بالسجود له معاقبة لهم على قولهم :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
[ البقرة : 30 ] . فإن قيل : فقد استدلّ ابن عباس - رضي اللّه تعالى عنه - على فضل البشر بأن اللّه - تعالى - أقسم بحياة محمّد عليه الصلاة والسلام فقال :
لَعَمْرُكَ
[ الحجر : 72 ] وأمنه من العذاب لقوله :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
[ الفتح : 2 ] ، وقال للملائكة :
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ
[ الأنبياء : 29 ] . قيل له : إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بحياة نفسه سبحانه فلم يقل : « لعمري » وأقسم بالسماء والأرض ، ولم يدلّ على أنها أرفع قدرا من العرش ، وأقسم ب
« التِّينِ وَالزَّيْتُونِ »
. وأما قوله سبحانه :
« وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ »
فهو نظير قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ
[ الزمر : 65 ] وهذا آخر الكلام في هذه المسألة . قوله : « إلّا إبليس » « إلّا » حرف استثناء ، و « إبليس » نصب على الاستثناء ، وهل نصبه ب « إلا » وحدها أو بالفعل وحده أو به بوساطة « إلّا » أو بفعل محذوف أو ب « أن » أقوال ؟ وهل هو استثناء متّصل أو منقطع ؟ خلاف مشهور . والأصح أنه متّصل - وأما قوله تعالى :
إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ
[ الكهف : 50 ] ، فلا يرد ؛ لأن الملائكة قد يسمون جنّا لاجتنانهم ، قال الشاعر في سليمان : [ الطويل ]
384 - وسخّر من جنّ الملائك تسعة * قياما لديه يعملون بلا أجر « 1 »
وقال تعالى :
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً
[ الصافات : 158 ] يعني : الملائكة . واعلم أن المستثنى على أربعة أقسام : قسم واجب النّصب ، وقسم واجب الجرّ ، وقسم جائز فيه النصب والجر ، وقسم جائز فيه النّصب والبدل ممّا قبله ، والأرجح البدل .
هامش
( 1 ) البيت للأعشى وليس في ديوانه وهو في البحر 1 / 304 ، مجمع البيان 1 / 182 ، الطبري ( 506 ) ، الدر المصون 1 / 186 .