تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
تشتدّ حيرته ، وتعظم الظّلمة في عينيه أكثر من الذي لم يزل في الظلمة ، فشبّه المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدّين بهؤلاء الذين وصفهم ، إذا كانوا لا يرون طريقا ، ولا يهتدون . وثانيها : أن المطر وإن كان نافعا إلّا أنه لما وجد في هذه الصّورة مع هذه الأحوال الضّارة صار النفع به زائلا ، فكذا إظهار الإيمان نافع للمنافقين لو وافقه الباطن ، فإذا فقد منه الإخلاص ، وحصل معه النفاق كان ضررا في الدّين . وثالثها : أن من هذا حاله ، فقد بلغ النهاية في الحيرة لاجتماع أنواع الظلمات ، وحصول أنواع المخافة ، فحصلت في المنافقين نهاية الحيرة في الدين ، ونهاية الخوف في الدنيا ؛ لأنّ المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل ، فلا يزال الخوف في قلبه مع النفاق . ورابعها : المراد من الصّيّب هو الإيمان والقرآن ، والظلمات والرعد والبرق هي الأشياء الشّاقة على المنافقين من التكاليف كالصّلاة والصوم وترك الرّياسات ، والجهاد مع الآباء والأمّهات ، وترك الأديان القديمة ، والانقياد لمحمد - عليه الصّلاة والسّلام - مع شدّة استنكافهم عن الانقياد ، فكأنّ الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصّيّب « 1 » الذي [ هو ] « 2 » أشدّ الأشياء نفعا بسبب هذه الأمور المقارنة ، كذلك هؤلاء . والمراد من قوله :
كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ
أنّه متى حصل لهم شيء من المنافع ، وهي عصمة أموالهم ودمائهم ، وحصول الغنائم ، فإنهم يرغبون في الدّين . قوله :
وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا
أي متى لم يجدوا شيئا من تلك المنافع ، فحينئذ يكرهون الإيمان ، ولا يرغبون فيه .

فصل في « أو »

في « أو » خمسة أقوال : أظهرها : أنها للتفصيل بمعنى : أنّ الناظرين في حال هؤلاء منهم من يشبههم بحال المستوقد ، ومنهم من يشبههم بأصحاب « 3 » صيّب هذه صفته . قال ابن الخطيب : « والثاني أبلغ ؛ لأنه أدلّ على فرط الحيرة » . والثاني : أنها للإبهام ، أي : أن اللّه أبهم على عباده تشبيههم بهؤلاء أو بهؤلاء . والثالث : أنها للشّك ، بمعنى : أنّ الناظر يشكّ في تشبيههم . الرابع : أنها للإباحة . الخامس : أنها للتخيير ، قالوا : لأن أصلها تساوي شيئين فصاعدا في الشك ، ثم اتسع فيها ، فاستعيرت للتساوي في غير الشك كقولك : « جالس الحسن أو ابن سيرين »
هامش
( 1 ) في أ : المصب . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في أ : بحال .