تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
ومن منع جريانه مجرى « صار » جعل المنصوب حالا .

فصل في المراد بنفي السمع والبصر عنهم

لما كان المعلوم من حالهم أنهم كانوا يسمعون ، وينطقون ، ويبصرون امتنع حمل ذلك على الحقيقة فلم يبق إلّا تشبيه حالهم لشدة تمسّكهم بالعناد ، وإعراضهم عن سماع القرآن ، وما يظهره الرسول من الأدلّة والآيات بمن هو أصمّ في الحقيقة فلا يسمع ، وإذا لم يسمع لم يتمكّن من الجواب ، فلذلك جعله بمنزلة الأبكم ، وإذا لم ينتفع بالأدلّة ، ولم يبصر طريق الرشد ، فهو بمنزلة الأعمى . وقوله :
فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
أي : من التمسّك بالنفاق فهم مستمرون على نفاقهم أبدا . وقيل : لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه ، أو عن الضّلالة بعد أن اشتروها . وقيل : أراد أنّهم بمنزلة المتحيّرين الّذين بقوا خامدين في مكانهم لا يبرحون ، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخّرون ؟ وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه ؟ قوله تعالى :

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 19 إلى 20 ]

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) اعلم أنّ هذا مثل ثان للمنافقين ، وكيفية المشابهة من وجوه : أحدها : أنه إذا حصل السحاب والرعد والبرق ، واجتمع مع ظلمة السّحاب ظلمة الليل ، وظلمة المطر عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصّواعق حذر الموت ، وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم ، فإذا أضاء لهم مشوا فيه ، وإذا ذهب بقوا في ظلمة عظيمة ، فوقفوا متحيّرين ؛ لأنّ من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذهب عنه
هامش
- وأبو داود في السنن حديث رقم ( 4686 ) . والترمذي في السنن حديث رقم ( 2193 ) . والنسائي في السنن ( 7 / 126 ، 127 ) . وابن ماجة في السنن حديث رقم ( 3942 ) ، ( 3943 ) . وأحمد في المسند ( 1 / 230 ، 402 ) ، ( 2 / 104 ) - والبيهقي في السنن ( 5 / 140 ، 166 ) ، ( 6 / 92 ) ، ( 8 / 189 ) . والطبراني في الكبير ( 2 / 348 ، 383 ) ، ( 8 / 161 ) ، ( 10 / 192 ) ، ( 12 / 282 ، 359 ، 362 ، 416 ) - وابن عدي في الكامل ( 7 / 2593 ) والحاكم في المستدرك ( 1 / 93 ) - وذكره المنذري في الترغيب ( 1 / 132 ) - وابن حجر في فتح الباري ( 1 / 217 ) ، ( 10 / 553 ) ، ( 12 / 191 ) ، ( 13 / 26 ) - والسيوطي في الدر المنثور ( 3 / 20 ، 235 ) .