تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
واختلف أهل العلم في أنّ
« الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ »
بالنسبة إلى كونهما بمعنى واحد ، أو مختلفين ؟ فذهب بعضهم : إلى أنهما بمعنى واحد ك « ندمان ونديم » ، ثم اختلف هؤلاء على قولين : فمنهم من قال : يجمع بينهما ؛ تأكيدا . ومنهم من قال : لما تسمّى مسيلمة - لعنه اللّه - ب « الرحمن » قال اللّه تعالى لنفسه :
« الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ »
فالجمع بين هاتين الصفتين للّه - تعالى - فقط . وهذا ضعيف جدّا ؛ فإنّ تسميته بذلك غير معتدّ بها البتة ، وأيضا : فإن
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ »
قبل ظهور أمر مسيلمة . ومنهم من قال : لكلّ واحد فائدة غير فائدة الآخر ، وجعل ذلك بالنسبة إلى تغاير متعلّقهما ؛ إذ يقال : « رحمان الدّنيا ، ورحيم الآخرة » ، ويروى ذلك عن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم - وذلك لأن رحمته في الدنيا تعمّ المؤمن والكافر ، وفي الآخرة تخصّ المؤمنين فقط . ويروى : « رحيم الدّنيا ، ورحمان الآخرة » وفي المغايرة بينهما بهذا القدر وحده نظر لا يخفى . وذهب بعضهم إلى أنّهما مختلفان ، ثمّ اختلف هؤلاء أيضا : فمنهم من قال : الرحمان أبلغ ؛ ولذلك لا يطلق على غير البارىء - تعالى - ، واختاره الزمخشريّ ، وجعله من باب « غضبان » و « سكران » للممتلىء غضبا وسكرا ؛ ولذلك يقال : « رحمان الدنيا والآخرة ، ورحيم الآخرة فقط » . قال الزّمخشريّ « 1 » : « فكان القياس الترقّي من الأدنى إلى الأعلى كما يقال : « شجاع باسل » ولا يقال : « باسل شجاع » . ثم أجاب : بأنه أردف « الرحمان » الذي يتناول جلائل النّعم وأصولها ب « الرحيم » ؛ ليكون كالتّتمّة والرّديف ؛ ليتناول [ ما دقّ منها ] « 2 » ، ولطف . ومنهم من عكس : فجعل « الرحيم » أبلغ ، ويؤيده رواية من قال : « رحيم الدنيا ، ورحمان الآخرة » ؛ لأنه في الدنيا يرحم المؤمن والكافر ، وفي الآخرة لا يرحم إلا المؤمن . لكنّ الصحيح أنّ « الرحمن » « 3 » أبلغ ، وأما هذه الرواية فليس فيها دليل ، بل هي دالّة على أنّ « الرحمان » أبلغ ؛ وذلك لأنّ القيامة فيها الرّحمة أكثر بأضعاف ، وأثرها فيها أظهر على ما يروى : « أنه خبّأ لعباده تسعا وتسعين رحمة ليوم القيامة » .
هامش
( 1 ) ينظر الكشاف : 1 / 8 . ( 2 ) في أ : ما دونهما . ( 3 ) في ب : الرحيم .