[ سورة القصص ( 28 ) : آية 81 ]
فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ ( 81 )
( فَخَسَفْنا بِهِ )
أي بقارون
( وَبِدارِهِ الْأَرْضَ )
قيل : كان قارون يؤذي موسى عليه السّلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي كانت بينهما حتى نزلت الزكاة ، فصالحه عن كل ألف دينار على دينار ، وعن كل ألف درهم على درهم ، فجمعها فرآها عظيمة فمنعها من البخل لأنه استكثرها بعد الحساب ، وقال لبني إسرائيل : أن موسى يريد أن يأخذ أموالكم ، فقال : أنت كبيرنا فمربنا ما شئت ، فقال : نبرطل فلانة البغية حتى ترميه بنفسها ، فيرفضه بنو إسرائيل فجاؤوا بها وجعل قارون لها ألف دينار ، فأجابتهم فجمع قارون الناس يوم عيدلهم ، وقال لموسى : مرهم وانههم فقام موسى وقال : من سرق قطعناه ومن افترى جلدناه ومن زنى وهو غير محصن جلدناه وإن أحصن رجمناه ، فقال قارون : وإن كنت أنت قال إن كنت أنا فقال إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة ، فقال :
ادعوها فأحضرت فناشدها موسى بالذي فلق البحر وأنزل التورية أن تصدق فتداركها اللّه ووفقها ، فقالت :
بل كذبوا أن قارون جعل جعلا على أن أقذفك بنفسي ، فخر موسى ساجدا يبكي ، وقال : يا رب إن كنت نبيا فاغضب لي فأوحى اللّه إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك ، فقال موسى : من كان مع قارون فليثبت معه ومن كان معي فليعتزل قارون ، فاعتزلوه كلهم إلا رجلين ، فقال : يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب ، ثم قال : خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ، ثم قال : خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق ، والحال أن قارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه باللّه وبالرحم ، وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه ، ثم قال : خذيهم فانطبقت عليهم « 1 » ، وهو معنى قوله
« فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ » ،
يعني بداره وأمواله فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل إلى يوم القيامة
( فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ )
أي لم يكن لقارون جند
( يَنْصُرُونَهُ )
أي يمنعونه
( مِنْ دُونِ )
أي من دون عذابه فأوحى اللّه إلى موسى ما أغلظ قلبك استغاثوا بك مرارا فلم ترحمهم وعزتي لو دعوني مرة واحدة لوجدوني مجيبا
( اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ )
[ 81 ] الممتنعين من عذابنا النازل به .
[ سورة القصص ( 28 ) : آية 82 ]
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 82 )
( وَأَصْبَحَ )
أي حين رآه الناس كذلك تعجب
( الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ )
أي منزلته من الدنيا
( بِالْأَمْسِ )
أي بالوقت القريب منهم استعير له من اليوم الذي قبل يومك ، وتنبهوا على خطئهم فأصبحوا
( يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ )
أي يضيق ، « وي » كلمة تعجب ، تنبه على الخطأ يدخل على كان مخففة ومثقلة مفصولة من الكاف على الأصح ، والكاف للتشبيه أي تنبهنا على خطئنا ما أشبه الحال بأن اللّه يبسط الرزق ويقدر
( لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ )
أي لولا من اللّه
( عَلَيْنا )
بالإيمان
( لَخَسَفَ بِنا )
معلوما ومجهولا « 2 » ، فندموا على ما قالوه « يا ليت لنا » الآية ، ثم قالوا
( وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ )
[ 82 ] تأكيد للندامة ، أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح كقارون وأصحابه .
[ سورة القصص ( 28 ) : آية 83 ]
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 83 )
قوله
( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ )
تعظيم للجنة وتفخيم لشأنها أي التي سمعت وصفها ، مبتدأ ، خيره
( نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا )
أي بغيا وتكبرا عن الإيمان
( فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً )
أي عملا بالمعاصي ، قيل : « نزل في أهل التواضع » « 3 » ، يعني من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة
( وَالْعاقِبَةُ )
أي عاقبة الأمر وهي الاستقرار في الجنة
( لِلْمُتَّقِينَ )
[ 83 ] الذين يتواضعون للّه ويعملون عملا صالحا .
هامش
( 1 ) وقد نقله المؤلف عن الكشاف ، 4 / 236 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 359 - 361 .
( 2 ) « لخسف » : قرأ يعقوب وحفص بفتح الخاء والسين ، وغيرهما بضم الخاء وكسر السين . البدور الزاهرة ، 243 .
( 3 ) عن علي رضي اللّه عنه ، انظر البغوي ، 4 / 362 .