تفصيل خلق الإنسان وترك ذكر المميز وهو تقدير لدلالة الخالقين عليه ، وهو تمييز أفعل التفضيل لا تأكيد ، لأنه ينصب اسما منكرا على التمييز خاصة ، و
« أَحْسَنُ »
بدل من
« اللَّهُ »
وليس بصفة ، لأنه نكرة وإن أضيف ، لأن المضاف إليه عوض من كلمة « من » ، روي : « أن عبد اللّه بن أبي السرح كاتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تكلم بذلك قبل إملائه ، فقال له رسول اللّه عليه وسلم : اكتبه هكذا أنزلت ، فقال عبد اللّه إن كان محمد نبيا يوحى إليه فأنا نبي يوحى إلي فلحق بمكة مرتدا ، ثم أسلم بعد الفتح » « 1 » ، وقيل : هذه الرواية غير صحيحة لأن هذه الآية مكية وارتداده كان بالمدينة « 2 » .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 15 إلى 16 ]
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ( 16 )
( ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ )
أي بعد تمام خلقكم
( لَمَيِّتُونَ )
[ 15 ] أي تموتون عند انقضاء آجالكم
( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ )
[ 16 ] أي تحيون بعد الموت فلا تكونوا منكرين بذلك كما لا تنكرون ابتداء خلقكم وذكر الحيوتين لا ينفي الثالثة وهي حيوة القبر .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 17 ]
وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ ( 17 )
( وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ )
هذا ذكر قدرة خلق هو أعظم من خلقهم ليستدلوا به أنه قادر على بعثهم بعد الموت ، أي خلقنا سبع سماوات مع ما فيها من النيرات التي تطلع وتغرب ، وسميت « طرائق » لتطارق بعضها فوق بعض ، وكل شيء فوقه مثله فهو طريقة كطارقة النعل أو هي طرق الملائكة أو الكواكب ، لأن سيرها فيها ، قيل : « كل سماء غلظها مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء كذلك » « 3 »
( وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ )
[ 17 ] أي لا نغفل عن خلق السماوات وحفظهن من أن يقع عليهم أو الخلق الناس ، أي إنما خلقها فوقهم ليفتح عليهم الارزاق وما ينفعهم من أنواع المنافع .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 18 ]
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ( 18 )
( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ )
أي بتقدير ووزن يأمنون معه من المضرة ويصلون إلى المنفعة ، أي بمقدار يكفيهم في مصالحهم ومعاشهم ، قيل : « ليست سنة بأمطر من سنة ولكن اللّه يصرفه حيث يشاء » « 4 »
( فَأَسْكَنَّاهُ )
أي فأدخلنا ذلك الماء
( فِي الْأَرْضِ )
فأخرجنا منه ينابيع ، قيل : منه الغدران والركايا « 5 » وكل ماء في الأرض من السماء
( وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ )
أي على إزالته
( لَقادِرُونَ )
[ 18 ] بأن يغور في الأرض فلا يقدر عليه فيموتون مع دوابهم عطشا فيجب عليهم أن يستعظموا نعمة الماء بشكر منعمه دائما ويخافوا بغارها إذا لم يشكروه عليها .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 19 ]
فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 19 )
( فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ )
أي بالماء
( جَنَّاتٍ )
أي بساتين
( مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ )
أي أنواعها سوى النخيلة والأعناب
( وَمِنْها تَأْكُلُونَ )
[ 19 ] .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 20 ]
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ( 20 )
قوله
( وَشَجَرَةً )
نصب عطف على
« جَنَّاتٍ »
( تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ )
بكسر السين وفتحها « 6 » ، هو جبل فلسطين أو جبل بين مصر وأيلة ، ومنه نودي موسى ، وأضيف طور إلى بقعة تسمى بسيناء وبسينين وتلك الشجرة شجرة الزيتون ، وخص الأنواع الثلاثة النخل والعنب والزيتون بالذكر ، لأنها أكثر الأشجار نفعا عندهم
( تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ )
بضم التاء وكسر الباء من الإنبات ، فالباء زائدة فيه ليدل على ملازمة الإنبات للدهن ،
هامش
( 1 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 2 / 410 .
( 2 ) أخذه المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 410 .
( 3 ) عن مقاتل والكلبي ، انظر السمرقندي ، 2 / 410 .
( 4 ) عن ابن مسعود ، انظر السمرقندي ، 2 / 411 .
( 5 ) قد أخذه المصنف عن السمرقندي ، 2 / 411 .
( 6 ) « سيناء » : كسر السين المدنيان والمكي والبصري ، وفتحها سواهم . البدور الزاهرة ، 218 .