[ سورة النحل ( 16 ) : آية 61 ]
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 61 )
( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ )
أي بعصيانهم وشركهم فيعاجلهم بالعقوبة
( ما تَرَكَ عَلَيْها )
أي على الأرض وهو إضمار قبل الذكر بدلالة قوله
( مِنْ دَابَّةٍ )
يعني لأهلها كلها بشؤم ظلم « 1 » الظالمين ، قيل : « قد فعل اللّه ذلك في زمان نوح عليه السّلام إلا من نجا السفينة من الأناسي والدواب » « 2 » ، قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : « إن الجعل ليعذب في حجره بذنب ابن آدم » « 3 » ، وقيل : « المراد من الدابة هنا المشركون » « 4 » ، وقيل معناه : لو يؤاخذكم اللّه الآباء بظلمهم لا نقطع النسل فلم يبق في الأرض أحد « 5 »
( وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ )
بالفضل والعفو
( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى )
أي إلى وقت معلوم وهو منتهى آجالهم
( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ )
أي إذا قرب وقت عذابهم
( لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً )
عن الوقت
( وَلا يَسْتَقْدِمُونَ )
[ 61 ] بالتعذيب قبل الوقت .
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 62 ]
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ( 62 )
( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ )
أي يقولون له
( ما يَكْرَهُونَ )
لأنفسهم وهو البنات أو يعطون له أرذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها
( وَتَصِفُ )
أي وتقول
( أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ )
مفعول
« تَصِفُ »
( أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى )
بفتح
« أَنَّ »
في محل النصب بدل من « الكذب » ، أي تقول ألسنتهم أن لهم البنين لقول قريش لنا البنون ، وقيل :
« الْحُسْنى »
الجنة « 6 » ، يعني لنا الجنة في الآخرة مع أعمالهم الخبيثة كقوله
لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
« 7 » ، ثم قال تعالى
( لا جَرَمَ )
أي حقا
( أَنَّ لَهُمُ النَّارَ )
يوم القيامة
( وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ )
[ 62 ] بكسر الراء ، أي مسرفون في العصيان على أنفسهم ، وبفتحها « 8 » ، أي متروكون في النار منسيين من أفرطته إذا تركته ، وقيل : « متقدمون إلى النار » « 9 » ، ومنه حديث النبي عليه السّلام : « أنا فرطكم على الحوض » « 10 » ، أي مقدمكم وإمامكم عليه .
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 63 ]
تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 63 )
( تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا )
رسلا
( إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ )
يا محمد كما أرسلناك إلى هذه الأمة
( فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ )
الخبيثة حين أطاعوه وكذبوا الرسل
( فَهُوَ )
أي الشيطان
( وَلِيُّهُمُ )
أي ناصرهم ، يعني ليس لهم ناصر غيره
( الْيَوْمَ )
أي في زمان الدنيا أو في الآخرة ، فيكون حكاية للحال الآتية ، المعني : أنه عاجز عن نصر نفسه ، فكيف ينصر غيره ، ففيه نفي للناصر بأبلغ الوجوه أو هو قرينهم في النار
( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ )
[ 63 ] أي وجيع دائم في الآخرة ، فهذا تهديد للكفار وتسلية للنبي عليه السّلام ليصبر على أذاهم كما صبر الرسل قبله .
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 64 ]
وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 64 )
( وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ )
أي القرآن
( إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ )
وهو دين الحق أو البعث أو الحلال والحرام ، والمراد بالمتخلفين المؤمنون والكافرون ، قوله
( وَهُدىً وَرَحْمَةً )
عطف على
« لِتُبَيِّنَ »
، أي وللهداية من الضلالة وللمرحمة من عذاب النار
( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )
[ 64 ] أي يصدقون بالقرآن .
هامش
( 1 ) ظلم ، س : - ب م ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 3 / 152 .
( 2 ) عن قتادة ، انظر البغوي ، 3 / 434 .
( 3 ) انظر البغوي ، 3 / 434 .
( 4 ) عن ابن عباس ، انظر الكشاف ، 3 / 152 .
( 5 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 434 .
( 6 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 239 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 435 .
( 7 ) فصلت ( 41 ) ، 50 .
( 8 ) « مفرطون » : قرأ نافع وأبو جعفر بكسر الراء مع تخفيفها للأول وتشديدها للثاني ، والباقون بفتحها مخففة . البدور الزاهرة ، 180 .
( 9 ) عن الفراء ، انظر البغوي ، 3 / 435 .
( 10 ) رواه ابن ماجة ، الزهد ، 36 ؛ وأخرج النسائي نحوه ، الطهارة ، 109 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 435 .