[ سورة النحل ( 16 ) : آية 68 ]
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 )
( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ )
وهو مذكر في اللفظ ، مؤنث في المعنى كالنخل في الشجر ، أي ألهمها وقذف في أنفسها وهي زنابير العسل ، وقيل : جمع واحدها نحلة « 1 »
( أَنِ اتَّخِذِي )
« أن » فيه مفسرة
( مِنَ الْجِبالِ )
« من » فيه تبعيض
( بُيُوتاً )
أي مساكن تأوي إليها
( وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ )
[ 68 ] أي يبنون لك من الأماكن .
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 69 ]
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 )
( ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ )
أي من حلوها وحامضها وغيرهما
( فَاسْلُكِي )
أي فادخلي
( سُبُلَ رَبِّكِ )
أي طرقه التي ألهمك وعرفك الرجوع إلى مسكنك
( ذُلُلًا )
حال من
« سُبُلَ »
، أي سهلة المسالك في الجبال وخلال الأشجار أو حال من
« النَّحْلِ »
، جمع ذلول ، أي مطيعة منقادة للمراد منك بالتسخير ، يقال : إن أربابها ينقلونها من مكان إلى مكان لمصلحة لها ولهم ، ثم أخبر عن وصفها تعجيبا فقال
( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها )
أي أفواها
( شَرابٌ )
أي عسل ، لأنه يشرب منه
( مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ )
من أبيض وأخضر وأحمر وأصفر وأسود .
قيل : إنه يختلف باختلاف الشبابة والكهولة والشيخوخة وغيرها من النحل « 2 » ، ويحتمل أن يكون الاختلاف في الألوان باختلاف المأخذ كما يختلف طعم العسل من حلوه ومره بها ، روي : أن العسل ينزل من السماء فيستقر في مكان ، فتأتيه النحل وتشربه ثم تأتي الخلية « 3 » فتلقيه في الشمع المهيأ له لا كما يظن بعضهم أنه من فضلات الغذاء يستحيل في المعدة عسلا وفي هذه الرواية ضعف ، لأن أهل الخبرة من أصحاب النحل قالوا : إن الزنابير تأكل من الثمار والأنوار فيغير اللّه تعالى بقدرته الثمر والنور في بطونها عسلا ، فإذا امتلأت بطونها تجيء من مسالكها التي ذهبت إلى بيوتها فتلقيه إلى الشمع من بطونها كما صرح اللّه تعالى به سبحان من يخيل النور عسلا في أجواف الزنابير « 4 »
( فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ )
أي في العسل شفاء الأوجاع التي يعرف شفاؤها منه ، يعني أنه من جملة الأشفية المشهورة النافعة لأمراض الناس وليس الغرض أنه شفاء لكل مرض ، قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : « العسل شفاء من كل داء » « 5 » ، يعني من بعضها كقولهم الماء حيوة من كل شيء ، ومنه ما يقتل المريض ، وقال عليه السّلام : « عليكم بالشفاءين القرآن والعسل » « 6 » ، يعني القرآن شفاء لما في الصدور والعسل شفاء لما في الأبدان
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
[ 69 ] فيعتبرون من أمر النحل المطيعة لوحي ربها العاملة باذنه ما لا يقدر عليه أحد من خلقه فيؤمنون .
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 70 ]
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 70 )
( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ )
أي يقبض أرواحكم صبيانا أو شبانا أو كهولا
( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ )
أي أردئه « 7 » إلى الهرم
( لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً )
أي لكيلا يعقل بعد عقله الأول شيئا لشدة هرمه ، ف
« شَيْئاً »
منصوب ب
« لا يَعْلَمَ »
، يعني يعتريه حال النسيان عند هرمه ، فلا يفهم ما كان يفهمه قبل هرمه وكبره ، وقيل : هذا في الكافر ، لأن المسلم يزداد عقله بصلاحه في طول عمره كرامة له « 8 » ، قال عليه السّلام : « من
هامش
( 1 ) أخذه عن البغوي ، 3 / 436 .
( 2 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 241 .
( 3 ) الخلية ، م : الحلبة ، ب س .
( 4 ) وهذا مأخوذ عن مفاتيح الغيب ، 20 / 58 .
( 5 ) انظر السمرقندي ، 2 / 242 ؛ والبغوي ، 3 / 437 ؛ والكشاف ، 3 / 155 .
( 6 ) رواه ابن ماجة ، الطب ، 7 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 242 ؛ والبغوي ، 3 / 437 ؛ والكشاف ، 3 / 155 .
( 7 ) أردئه ، ب س : أرديه ، م .
( 8 ) اختصره المؤلف من مفاتيح الغيب ، 20 / 63 .