( وَ )
قد آتيناه مع الآيات الفعلية الآيات القولية أيضا إذ
( أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ )
ولا يدل اختلاف أهل الكتاب في عيسى بعد اتفاقهم على موسى وداود على نقص عيسى إذ لم يكن عن شبهة فضلا عن حجة بل عن عناد محض قدره اللّه عليهم ليهلكهم إذ بالغوا فيه حتى اقتتلوا
( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ )
أي من بعد ايمانهم بموسى وداود وغيرهما لآيات ظهرت عليهم
( مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ )
على يدي عيسى ومحمد عليهما السّلام أكمل من آياتهم فكان حقهم الاتفاق عليهما
( وَلكِنِ اخْتَلَفُوا )
ولم يقتصروا على هذا الاختلاف في حقهما بل وقع في حق الأولين
( فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ )
بموسى وداود وغيرهما إذ آمن بعيسى ومحمد عليهم السّلام
( وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ )
بالكل ولم يقتصروا على الاختلاف بطريق التردد فيهما إذ لم يردهم اللّه إلى ذلك لعدم كونهما محل التردد بل ردهم إلى الجزم بالكفر لا فراط عنادهم
( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا )
مع علمهم بأنهم على الباطل
( وَلكِنَّ اللَّهَ )
رد عنادهم إلى الجزم بالكفر لأنه
( يَفْعَلُ ما يُرِيدُ )
ولا يريد الا مقتضى استعداد المحل ولذلك أوقع التفاوت بين الناس ثم أشار إلى أن اللّه تعالى وان خلق الناس متفاوتين فلا ينافي عموم تفضله إذ جعلهم قابلين لتحصيل الفضائل وهيأ لهم أسبابه كالمال ينفق في سبيل اللّه فيشترى به في الدنيا فضيلة السخاء وفي الآخرة رضوانه وجنته ويحصل به خلة الفقراء وشفاعة الأولياء منهم فقال
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ )
لتشتروا منا الرضوان والجنة ولتحصلوا خلة فقرائنا وشفاعة أوليائنا
( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ )
فيشترى الجنة والرضوان
( وَلا خُلَّةٌ )
تسامح بهبتهما
( وَلا شَفاعَةٌ )
تخلص من النار
( وَ )
لم يمنع فضله الكافرين بابطال القابلية أو بعدم تهيئة الأسباب لهم بل
( الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
بابطال القابلية وصرف الأسباب إلى أمور الدنيا بشراء أمتعتها وتحصيل خلتها والتوسل به إلى شفاعة خواص الملوك إليهم وبالجملة صرفوا المال في غير مصرفه ثم أشار إلى أن ظلمهم لا يختص بذلك بل وقع في حق اللّه من جهات كثيرة إذ منهم من ينكر وجوده ومنهم من ينكر توحيده ومنهم من يقول بحلوله أو اتحاده ومنهم من ينكر كمال علمه ومنهم من ينكر كمال قدرته ومنهم من يشرك غيره في صفات الكمال واستحقاق العبادة لكنه هو
( اللَّهُ )
الواجب الوجود الذي له الوجود الحقيقي لا لغيره لا يشاركه في صفات كماله ولا في استحقاق العبادة غيره إذ
( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ )
وكيف يستحقها غيره وهو ميت لذاته إذ هو
( الْحَيُّ )
لذاته وحياة الغير من ظهور حياته فيه بل الغير معدوم في ذاته إذ هو
( الْقَيُّومُ )
اى القائم بذاته المقوم لكل ما عداء فوجود الكل من ظهور نور وجوده فيه ومن كمال حياته وقيوميته أنه
( لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ )
فتور تتقدم النوم
( وَلا نَوْمٌ )
حال تعرض للحيوان من استرخاء دماغه من رطوبات أبخرة متصاعدة تمنع الحواس الظاهرة عن الاحساس فهما منقصان للحياة منافيان للقيومية لأنهما من التغيرات المنافية لوجوب الوجود الذي للقيوم ونفى النوم أولا التزاما ثم صريحا ليدل كمال نفيه على ثبوت كمال ما ينافيه ومن كمال قيوميته اختاصه بملك العلويات والسفليات المشار اليه بقوله
( لَهُ ما فِي السَّماواتِ )
من الملائكة