الدنيا لأنها وان طالت فهي قريبة وهو يزداد بالتأخر معصية فلا يعد تبعيدا وانما المبعد الحقيقي ما يبعده تحقيقا
( وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ )
فلا يخفف عنهم بل يزيدهم بزيادتهم اعمالهم ولو قالوا لا نكفر بما وراء التوراة لأنه نزل على غيرنا بل لأنه نزل به عدوّنا وهو جبريل كما قالوا العمر رضى اللّه عنه حين دخل مدارسهم فقالوا ما صاحب محمد الذي يأتيه بالوحي فقال جبريل فقالوا ذلك عدوّنا يطلع محمدا على أسرارنا وهو صاحب كل عذاب وخسف
( قُلْ )
ان جبريل لا يعاديكم بل تعادونه لأنه أنزل القرآن على غيركم
( مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ )
لذلك فلا وجه لعداوته
( فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ )
لا باستقلال من نفسه لأنه رسول اللّه فلا يفعل الا ما يأمره واظهاره أسرار اليهود بأمر اللّه أيضا لا بعداوته على أنه لو كان عدوّا فلا وجه لترك الايمان بالمنزل لكونه
( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ )
فرده ردّ لما بين يديه
( وَهُدىً )
أكمل من هداه
( وَ )
لكنهم ردوه لكونه
( بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ )
ولو آمنوا لدخلوا في تلك البشرى أيضا فلا وجه لعداوته على أنها عداوة للّه أن ينزل من فضله على غيرهم
( مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ )
لانزاله فضله على من يشاء أو لامر آخر
( وَمَلائِكَتِهِ )
الذين ليسوا برسل
( وَرُسُلِهِ )
الذين ليسوا بملائكة فإنه أيضا من عداوته لان عداوة المحبوب عداوة المحب
( وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ )
الجامعين بين الملكية والرسالة فإنه أولى بأن تكون عداوتهما عداوة اللّه فمن عادى اللّه بذاته وعادى هؤلاء من خواص أحبابه فعداوة اللّه منعكسة عليه
( فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ )
بوجه من الوجوه فكيف لا يعادى من جمع هذه الوجوه كلها
( وَ )
عداوة جبريل لانزال القرآن على غيرهم عين عداوتنا لأننا منزلون بالحقيقة
( لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ )
أي معجزات لا قدرة لغيرنا عليها وليست للاضلال لكونها
( بَيِّناتٍ )
أي واضحة الهداية لموافقتها كتب الأوائل والعقل
( وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ )
أي الخارجون عن مقتضى العقل والنقل
( أَ )
ينكرون فسقهم
( وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ )
عهد بنو قريظة والنضير إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن لا يعاونوا المشركين على قتاله فنقضوه ولم يفسقوا بمجرد نقض العهد
( بَلْ )
بكفرهم أيضا إذ
( أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )
بكتابهم أيضا في الحقيقة
( وَ )
يدل عليه أنه
( لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ )
علموا مجيئه
( مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )
بمعجزاته مع أنه
( مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ )
ومقتضاه أن يزدادوا ايمانا بكتابهم ويؤمنوا به وهم قد عكسوا الامر إذ
( نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ )
الذي يعترفون بحقيته كأنهم جعلوه
( وَراءَ ظُهُورِهِمْ )
لا يلتفتون حتى صاروا
( كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ )
فاختاروا الجهل المطلق على علم الكتاب الإلهي
( وَ )
لم يقتصروا على ذلك التبديل
( اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ )
أي كتب السحر التي تتلوها شياطين الانس والجن يفترون
( عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ )
أنه حصل له بهذا العلم فسخر به الانس والجنّ والريح فكذبهم اللّه عز وجل بأن أكثر أعماله كفر
( وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ )
قط لاعترافكم بنبوّته ووجوب عصمة الأنبياء عن الكفر
( وَلكِنَّ الشَّياطِينَ )
من بطلانهم في أنفسهم
( كَفَرُوا )
أي مضوا على كفرهم بحيث يعتقدون تأثير الأسباب وزاد كفرهم