التذلل فلا يستحقها من لا يخلو عن هذه الوجوه من الذلة وانما يستحقها من كان في غاية العلوّ وحلول الحق فيها ان كان حلول المظروف في الظرف فهو من خواص الأجسام وان كان حلول العرض في الجوهر أو حلول الصورة في المادة فهو حلول افتقار ينافي وجوب الوجود ولا ظهور للحق بالإلهية التي هي بوجوب الوجود وأين كمال المظهرية مع النقائص المذكورة وأين الاختصاص ولا وجود لشئ بدون ظهوره فيه
( وَ )
كما أرينا إبراهيم وجوه الضلال في اتخاذ الأصنام آلهة باعتبار صورها وأجسامها
( كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )
ليعلم ان شيأ من روحانيات الأفلاك والكواكب والمشايخ والشياطين لا يصلح للالهية
( وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ )
بالتوحيد بالاستدلال بالأدلة الكثيرة وبالسماع من تلك الأرواح ولما رأى الملكوت وأيقن ان شيأ منها لا يصلح للالهية أراد الرد على قومه في اعتقاد الهيتها لخستها باعتبار افتقارها في أفعالها إلى أجسام لها دناءة الأفول وان كانت علوية وكذا في اعتقاد الهية تلك الأجسام كما رد عليهم في اعتقاد الهية الأصنام فلتظهر ظهور الكواكب التي كانوا يعبدونها
( فَلَمَّا جَنَّ )
أي أظلم
( عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً )
الزهرة أو المشترى
( قالَ )
لقومه ارخاء للعنان معهم باظهار موافقته لهم أوّلا ثم ابطال قولهم بالاستدلال لأنه أقرب لرجوع الخصم
( هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ )
وهو دناءة تنافى الإلهية بل تمنع من الميل إلى صاحبها فضلا عن اتخاذه الها أو معبودا فضلا عما يفتقر اليه
( قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ )
ثم انتظر نورا أعلى منه
( فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً )
مبتدئا في الطلوع
( قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ )
محو دناءته بعظمته عين الضلال إذ لا تكون عظمته مطلقة والاله لا بد وأن تكون عظمته مطلقة فلا يصلح للالهية فضلا عن المفتقر اليه
( لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ )
بجعل العظمة القاصرة مطلقة كاملة فانتظر نورا في غاية العظمة
( فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي )
لم يؤنثه لئلا يعارض عظمته نقص الأنوثة ولو غير حقيقية وهي وان كانت في الواقع لم يأت بها لفظا لأنه قصد بذلك مساعدة الخصم أوّلا
( هذا أَكْبَرُ )
والإلهية لا تجاوز الأكبر
( فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ )
ليس بأكبر على الاطلاق بل لا يمكن جعله شريكا لما هو أكبر بالاطلاق
( إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ )
أي بعد ما برئت
( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ )
أي وجه قلبي وروحي في المحبة والعبادة بل جعلته مسلما
( لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ )
وأرواحهما ليست فاطرة لهما فإنهما لا تفعلان الا بهما
( حَنِيفاً )
مائلا عن الالتفات اليهما وإلى أرواحهما وان كان فيهما ما هو من أسباب الحوادث إذ لا أثر للأسباب وانما هو للّه معها لا بها ولا يفتقر إليها بل جرت بذلك سنته
( وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )
بأن الأثر لما ظهر منه فيهما أو في أسبابهما
( وَحاجَّهُ )
أي أرادوا مغالبته بالحجة
( قَوْمُهُ )
أي القائمون على العناد فزعموا أن الآثار الأرضية منتسبة إلى حركات الكواكب وأوضاعها لاختلافها باختلافها فهي المؤثرة فيها وان كانت لامكانها مفتقرة إلى اللّه تعالى
( قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي )
توحيد
( اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ )
لإقامة الحجج ورفع الشبه على نفى الهية ما سواه