هامش
- قال القرطبي : لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله . فمن نقص واحدا منهم أو طعن عليه في روايته فقد ردّ على اللّه ربّ العالمين ، وأبطل شرائع المسلمين ؛ قال اللّه تعالى :مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِالآية . وقال :لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِإلى غير ذلك من الآي التي تضمنت الثناء عليهم ، والشهادة لهم بالصدق والفلاح ؛ قال اللّه تعالى :رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ .وقال :لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً- إلى قوله -أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ،ثم قال عزّ من قائل :وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ- إلى قوله -فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .وهذا كله مع علمه تبارك وتعالى بحالهم ومآل أمرهم ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « خير الناس قرني ثم الذين يلونهم » وقال : « لا تسبّوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا لم يدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه » خرجهما البخاري . وفي حديث آخر : « فلو أن أحدكم أنفق ما في الأرض لم يدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه » . قال أبو عبيد : معناه لم يدرك مدّ أحدهم إذا تصدق به ولا نصف المد ؛ فالنصيف هو النصف هنا . وكذلك يقال للعشر عشير ؛ وللخمس خميس ؛ وللتسع تسيع ، وللثّمن ثمين ، وللسّبع سبيع ، وللسّدس سديس ؛ وللرّبع ربيع . ولم تقل العرب للثلث ثليث . وفي البزّار عن جابر مرفوعا صحيحا : « إن اللّه اختار أصحابي على العالمين سوى النبيّين والمرسلين واختار لي من أصحابي أربعة - يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا - فجعلهم أصحابي » . وقال : « في أصحابي كلّهم خير » ، وروى عويم بن ساعدة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه عزّ وجل اختارني واختار لي أصحابي فجعل لي منهم وزراء وأختانا وأصهارا فمن سبّهم فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا » . والأحاديث بهذا المعنى كثيرة ، فحذار من الوقوع في أحد منهم ، كما فعل من طعن في الدين فقال : إن المعوّذتين ليستا من القرآن ، وما صحّ حديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في تثبيتهما ودخولهما في جملة التنزيل إلا عن عقبة بن عامر ، وعقبة بن عامر ضعيف لم يوافقه غيره عليها ، فروايته مطّرحة . وهذا ردّ لما ذكرناه من الكتاب والسنة ، وإبطال لما نقلته لنا الصحابة من الملّة . فإن عقبة بن عامر بن عيسى الجهني ممن روى لنا الشريعة في الصحيحين البخاري ومسلم وغيرهما ، فهو ممن مدحهم اللّه ووصفهم وأثنى عليهم ووعدهم مغفرة وأجرا عظيما . فمن نسبه أو واحدا من الصحابة إلى كذب فهو خارج عن الشريعة ، مبطل للقرآن طاعن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ومتى ألحق واحد منهم تكذيبا فقد سبّ ؛ لأنه لا عار ولا عيب بعد الكفر باللّه أعظم من الكذب ، وقد لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من سبّ أصحابه ؛ فالمكذّب لأصغرهم - ولا صغير فيهم - داخل في لعنة -