تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
وصدهم عن القتال ، فخالفوهم في ذلك واتصفوا بأشد ما يناقض عهدهم ، وهو السبب في فشل المؤمنين وخذلانهم . وقوله تعالى :
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ
. قال ابن عرفة : المجرور متعلق بالفعل ، وهو فررتم لا بالفرار إما لقربه منه ، وإما لأنه الأصل في العمل حسبما أشار إليه الزمخشري في
ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ
[ سورة الروم : 25 ] ، فقوله تعالى :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ
[ سورة النصر : 1 ] ، بطل فهو معلق بزيد وإن ذلك إنما هو حيث يكون المصدر جاريا على ذلك الفعل ، مثل
دَعاكُمْ دَعْوَةً ،
وأما هذا فإن مصدر فررتم الجاري على المفر أن يكون الفرار إلا الفرار ، وما كلام الزمخشري إلا حيث تجري فتأمله ، قلت : وهذا الذي ذكر غير صحيح ، فإن مصدر فررتم ما هو إلا الفرار فتأمله وإما ؛ لأن الفرار مصدر معرف بالألف واللام ، فهو موصول فلو تعلق به لوقع الفصل بين الصلة والموصول بأجنبي [ 60 / 293 ] ، ومعناه أن تعلق الفعل لن ينفعكم الفرار من كل شيء أو فررتم من الموت أو القتل ، لأنهم قد يفرون لحفظ أموالهم ، كما قالوا
إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ،
وإن تعلق بالفرار فمعناه لن ينفعكم الفرار من الموت أو القتل إن فررتم منهما ، قال : ومما يرجح تعلقه بالفرار أنه إذا تعلق بفررتم لم تناقض أول الآية آخرها ، بقوله تعالى :
وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ،
فقد نفعكم الفرار مطلق نفع ، وهو التمتع القليل ، فلا يصح أن ينفي عنهم نفعه لهم مطلقا ، إذا تعلق بالفرار لا يكون فيه تناقض بوجه ، فإن قلت : ما أفاد بقوله
إِنْ فَرَرْتُمْ ،
قلت : عادتهم يجيبون : بأن السالبة عند المنطقيين ما يقتضي وجود الموضوع ولا عدمه كقولك : لا شيء من الآدمي في هذا البيت بمنفس ، فيصدق بأن يكون ليس فيه حيوان بوجه ، والموجبة المعدولة تقتضي وجود الموضوع نحو : كل آدمي في هذا البيت متنفس ، فيقتضي وجوده ، وأنه محكوم عليه بعدم التنفس ، فإما أن يكون كاذبة أو يكون الآدمي ميتا ، وكذلك ما لم يقل :
إِنْ فَرَرْتُمْ ،
لا وهم أنهم إنما لم ينفعهم الفرار لعدم وقوعه ، فلما قال :
إِنْ فَرَرْتُمْ ،
ثم أفاد أنه وجد ولم ينفعهم وجوده . قوله تعالى :
وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً
. الولي : هو القريب الموالي ، فهو أخص من الناصر ؛ لأن الناصر قد يكون أجنبيا ، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ، فلذلك عطفه عليه ، وكذلك قال ابن عطية في أوائل العنكبوت . قوله تعالى :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ
.
تفسير ابن عرفة — صفحة 289 | ابن عرفة