تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
قال ابن عطية : الأصم هو من لا يسمع ، والأبكم هو من لا ينطق ولا يفهم ، والأخرس من يفهم ولا ينطق ، وقيل : الأبكم والأخرس واحد . قال ابن عرفة : تقدم في الأصول أنه إذا تعارض الترادف والتباين فالتباين أولى ، وانظر معنى كونهما سواء هل يرد الأبكم إلى الأخرس أو بالعكس ؟ وعادتهم يقررونه بأن معنى كونهما سواء أن الأبكم والأخرس الذي لا ينطق سواء فهم أو لم يفهم ، ولو فسرناه برد الأخرس إلى الأبكم للزم عليه الإهمال والتعطيل ؛ لأنه يكون الأصم من لا ينطق ، والأخرس والأبكم من لا ينطق ولا يفهم ، ويمكن أن يكون من يفهم ولا ينطق واسطة بينهما مهملا ، قيل له : إنا نجد الأخرس هكذا ، فقال : فقد يكون في الشيوخ الصم من تعطل فهمه . قال : والترتيب في الآية فرد بوجهين : إما أنه على حسب الوجود الخارجي ؛ لأن المكلف يسمع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أنا رسول من عند اللّه ، فينطق فيقول : ما دليل صدقك ؟ فيريه انشقاق القمر وغيره من الآيات " . وإما لأن الأمور منها ما يتصور عن الشخص وهو منفعل ، ومنها ما يتصور عنه وهو فاعل ، فحاسة السمع من قسم المنفعل لا من قسم الفاعل ؛ لأن الإنسان يسمع الشيء من غيره وليس له فعل ، وحاسة النطق من قسم الفاعل لأنه لا يتكلم إلا باختياره أن له إذ تكلم وإلا سكت . وحاسة البصر جامعة للأمرين ، فالنظرة الفجائية من قسم المنفعل لا تسبب للإنسان فيها ، وما عداها من قسم الفاعل فبدأ أولا بقسم المنفعل ؛ لأن الكلام في شيء مخلوق حادث ، والأصل في الحادث الانفعال لا الفعل ، وهما خبرا مبتدأ مضمر وحسن حذف المبتدأ لكون الخبر لا يصلح إلا له وتعدد الخبر فيه خلاف فمنعه بعضهم ، وأجازه آخرون بشرط كون الجميع في معنى خبر واحد ، ومنهم من كان يجعله خلافا ، ومنهم من جمع بين القولين بأن الذي منع من التعدد إنما منع حيث يكون الخبران متناقضان ، كقولك : زيد قائم قاعد أو ساكن متحرك ساكن ، والذي أجازه بشرط الجمعية في خبر واحد هذا مراده ؛ لأن النقيضين لا يجتمعان في معنى واحد بوجه . قوله تعالى :
فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ .
تفسير ابن عرفة — صفحة 61 | ابن عرفة