تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
وأورد الزمخشري سؤالا قال : ما الفائدة في قوله :
مِنَ السَّماءِ ،
وكأنه إخبار بالمعلوم كقولك : السماء فوقنا والأرض تحتنا ، ولذلك منع سيبويه الابتداء بالنكرة ، كقولك : رجل قائم ، إذ لا فائدة فيه ، وأجاب بجواب لا ينهض . قال ابن عرفة : وعادتهم يجيبون بأن فائدته التنبيه على شدة ما هم فيه من الهول ؛ لأن حصول الألم والتأثير بشيء ينزل من موضع مرتفع بعيد الارتفاع أشد من حصوله مما ينزل من موضع دونه في الارتفاع ، فأخبر اللّه تعالى أن هذا المطر ينزل من السماء البعيدة فيكون تأثيره وتأثير رعده وبرقه وصواعقه أشد . قوله تعالى :
فِيهِ ظُلُماتٌ .
يحتمل أن يكون من باب القلب ؛ لأن المطر ينزل في الظلمات ؛ لأن الظلمات فيه ، ويحتمل أن يكون الظلمات في المطر حقيقة ، والأول أظهر ولذا تقدم في قوله تعالى :
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ
[ غافر : 71 ] . وفي قوله تعالى :
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ
[ يس : 8 ] . وتقدم أنه من باب القلب فإن أعناقهم هي التي في الأغلال لا العكس ، وتقدم الجواب عنه بأنه حقيقة على أن الأغلال ضيقة جدا فتحصر أعناقهم وتدخل فيها حتى تصير الأغلال مضروبة في أعناقهم . قوله تعالى :
فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ .
وفصل بينهم بجملة اعتراض بقوله : وهي ، قوله تعالى :
وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ،
أتت مشدودة لما قبلها واختلفوا في كاد ، فقيل : نفيها إيجاب وإيجابها نفي ، قال ابن الحاجب : إذا دخل النفي عليها فهي كالأفعال ، ونظر أبو حيان . قال ابن عرفة : الظاهر عندي أن الخلاف لفظي راجع إلى الوفاء فمن رد النفي إلى المقاربة جعلها كسائر الأفعال ، ومن رده إلى نفس الفعل الذي تعلقت به المقارنة . [ 11 / 2 ] قال : نفيها إثبات وإثباتها نفي ، فإن قلت : هلا قال : أنار لهم مشوا فيه ؟ والجواب أن شدة الظلمة لا يزيلها إلا شدة الضوء ، وقيل : النور لا يزيلها ؛ لأن شدة الضوء عقيب شدة التخويف ، فإن قلت : هلا تبدل وإذا ذهب ضوءه عنهم قاموا ، فإن ذهاب الضوء يكون بحصول مطلق ظلمة حسبما تقدم أن الضوء هو إفراط الإنارة .
تفسير ابن عرفة — صفحة 63 | ابن عرفة