قوله تعالى :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ .
قال السهيلي في الروض : إن قلت : لم عداه هنا بالباء ؟ وقال في سورة الأحزاب :
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
[ الأحزاب : 33 ] .
فعداه بنفسه ؟ فأجاب بأن الباء تقتضي المصاحبة ، فإذا قلت : ذهبت بزيد فأنت أذهبته وذهبت معه ، والنور محبوب طبعا وشرعا فناسب إسناد الذهاب إليه باعتبار الفهم والتصور ، وإن كان في حق اللّه تعالى محالا لكنه على معنى يليق به ، كما وصف نفسه بالمجيء ، في قوله :
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
[ الفجر : 22 ] . والرجس مذموم طبعا وشرعا فناسب إبعاده عنه وأعاد إسناده إليه .
قال ابن عرفة : وفي التعدية بالباء التي للمصاحبة زيادة نفس عليهم ، وإشعار بذم أم الذهاب وملازمته بسبب ملازمة فاعل العذاب فلا يزال ذاهبا عنهم فهو أشد في عقوبتهم حتى لا يتصور رجوعه إليهم بوجه ، وتكلم الطيبي هنا في الضياء والنور .
قال الزمخشري : النور ضوء النار وضوء كل شيء وهو نقيض الظلمة ، والضياء إفراط الإنارة ، فالنور عنده زيادة في الضياء ، قال اللّه تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً
[ يونس : 5 ] . وقدره صاحب المثل السائر بأن الضياء هنا مشبه والنور منفي ، والقاعدة استعمال الأخص في الثبوت والأعم في النفي ، فإذا ثبت أعلا الضياء فأحرى أدناه ، وإذا انتفى أقل النور ومبادئه فأحرى لكثره وأعلاه .
وتعقب عليه صاحب الفلك الدائر : بأن يعقوب ابن السكيت نص في المنطق على أن الضياء هو النور لا فرق بينهما .
وقال بعضهم قول من قال : إن القمر يستمد من نور الشمس مخالف لمذهب أكثر أهل السنة ، ولا يتم إلا على مذهب الطبائعية ، ورد بعضهم على الفخر ابن الخطيب في سورة النور ، عند قوله تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
قال فيهما : أن النور هو الضوء الفياض من الشمس ، قالوا : ما يتم إلا على القول بالطبع والطبيعة .
وأجاب ابن عرفة بأنه أخطأ في العبارة فقط ، ومراده أنه نور يخلقه اللّه تعالى في القمر عند مقابلة الشمس ، ومذهب أهل السنة أن الظلمة أمر وجودي ، وذهب الحكماء والفلاسفة إلى أنها أمر عدمي .
قوله تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ .