قال ابن عطية : قال الشافعي وأصحابه رحمهم اللّه : إنما منع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من قبل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام بألسنتهم مع العلم بنفاقهم ؛ لأن الإسلام يجب ما قبله . فمن قائل أن عقوبة الزنادقة أشد من عقوبة الكفار فقد خالف الكتاب والسنة .
قال الشافعي رضي اللّه عنه : إنما كف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتل المنافقين مع العلم بهم ؛ لأن اللّه نهاه عن قتلهم إذا أظهروا الإيمان فكذلك الزنديق .
قال ابن عرفة : لأن الفرق أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يعلم أن المنافقين يموتون على نفاقهم ، والزنديق لا يقدر أحد منا أن يعلم أنه مات على الزندقة .
قوله تعالى :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ .
قال ابن عرفة : هذا تشريف واعتناء بمقام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حيث تولى اللّه عقوبتهم بنفسه ، ولم يقل : ملائكة اللّه يستهزءون بهم ، قال : وأوردوا هنا سؤالا في إسناد الاستهزاء إلى الله فقدره المعتزلة بأن الاستهزاء قبيح وصدور القبح من اللّه تعالى محال ، وقدر أهل السنة بأن الاستهزاء في حقه محال .
وأجاب ابن عطية بثلاثة أوجه : إما أنه من مجاز المقابلة ، كقولك :
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخة * قلت : اطبخوا لي جبة وقميصا
وقول لبيد :
ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وإما بأنه يفعل بهم من الإملاء بالنعم كفعل المستهزئ حسبما إذ النار تحمل كما تحمل الإهالة وهي الشحم فيثبتون عليها يطنونها منجاة فتخسف بهم .
قال الزمخشري : هلا قيل : اللّه مستهزئ بهم كما قالوا : هم :
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ،
وأجاب بأن الفعل يفيد حصول الاستهزاء ويجدده وقتا بعد وقت .
فرده ابن عرفة دوامه عليهم أشد وأمتع بحدوث ، قال : ويجاب عنه بأن التجدد يقتضي تنويعه واختلافه عليهم شيئا بعد شيء فلا يستهزئ بهم بنوع واحد .
وأجاب الطيبي : بأن دوام العذاب فيه توطين لهم فقد تألف نفوسهم ، وتدرب عليه بخلاف تجدده عليهم فإنه إذا ارتفع عنهم يرجون انقطاعه فإذا عاد إليهم كان أشد عليهم .