المراد لا يعلمون صحة ما أمروا أو لا يعلمون علما نافعا وحذف المفعول قصدا للعموم .
قال ابن عرفة : وفي هذا آيتان ، آية من اللّه تعالى بعمله ذلك ، وآية أخرى بإعلامه به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
قوله تعالى :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا .
إنما عبر بإذا اعتبارا بالأمر العادي لأنهم مجازون لهم وقريبون منهم فهم في مظنة أن يكون لقائهم لهم محقق الوقوع ، فإن قلت : لم قال :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ،
ولم يقل : وإذا لقيهم الذين آمنوا ، وأي فرق بين قولك : لقيت زيدا ولقيني زيد مع أنه أمر نسبي ، فمن لقيك فقل : لقيته .
قال ابن عرفة : فرق بعضهم بأن المتلاقين إن كانت لأحدهما مندوحة عن اللقاء ويجد ملجأ ومفرا فهو مفعول ، والآخر الذي لم يجد ملجأ ولا مفرا بل اضطر إلى لقاء صاحبه يستحسن أن يكون فاعلا للقاء ، والمنافقون كانوا يكرهون لقاء المؤمنين ، وإذا لقوهم في طريق يحيدون عنهم ، فلذلك كانوا في الآية فاعلين ؛ لأنهم مضطرون إلى اللقاء .
قوله تعالى :
وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ .
قال الزمخشري : لم عبر في الأول : بالفعل ، وفي الثاني : بالاسم ، وأجاب بأنهم عبروا بالفعل ؛ لأن مقصودهم الإخبار بتحصيل مطلق الاسم ، بأن ولم يلتزموا تحصيل أعلاه ، وأخبروا شياطينهم بحقيقة أمرهم على جهة الثبوت .
قال ابن عرفة : وتقدم لنا الجواب عنه بأنهم إنما عبروا بالفعل لكونهم التزموا أنفسهم منزلة البريء الذي به يقبل قوله ولا يتهم فلوا أكدوا كلامهم لكانوا مقرين بأن المؤمنين يتهمونهم بالكفر ، وينكرون عليهم زعمهم أنهم مؤمنون ، فأرادوا أن لا يوقعوا في أنفسهم ريبة بل مخبرون بذلك على البراءة الأصلية خبر من يكتفي منهم بأدنى العبارة ، ويقبل كلامه ولا ينكر عليه ، وقولهم لشياطينهم إنا معكم ، أكدوا ذلك لأمرين : إما لكون ذلك محبوبا لهم فبالغوا فيه كما يبالغ الإنسان في مدح ما هو محبوب له ، وإما تقرير لمعذرتهم ؛ لأنهم أظهروا الإسلام ، فقد يتوهم فيهم أصحابهم أنهم مسلمون فبالغوا في تمهيد العذر لنيتهم .