تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
إِلَى الْهُدى
أي إلى الذي يدل الداعي إليه قطعا ، على أن المتخلف عنه سيىء المزاج ، محتاج إلى العلاج ، لكونه تخلف عما لا يتخلف عنه من له نوع صلاح لكونه أشرف الأشياء ، فالمتخلف عنه راض لنفسه بالدون
لا يَتَّبِعُوكُمْ
أي في ذلك الهدى الذي دعوتموهم إليه ولو بالغتم في الاستتباع ، ولعله عبر بصيغة الافتعال إشارة إلى أنها لا يتصور منها قصد التبع فضلا عن إيجاده ، ثم بين أن ذلك ليس بأمر عارض ، بل هو مستمر دائم بقوله مستأنفا تأكيدا للمعنى :
سَواءٌ عَلَيْكُمْ .
ولما كان السواء لا يكون إلا بين أمرين ، تشوف السامع إليهما فقال ؛
أَ دَعَوْتُمُوهُمْ
أي وجد منكم ذلك الدعاء الذي أشير إلى استمراره ، وعبر بالاسمية إشارة إلى أنهم لا يدعونهم في وقت الشدائد ، بل يدعون اللّه فقال :
أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ *
أي عن ذلك على الدوام على عادتكم في الإعراض عن دعائهم في أوقات الملمات ، فالذين يدعون معتقديهم في وقت الضرورات أقبح حالا في ذلك من المشركين ويجوز أن تكون الآية من الاحتباك ، فيكون نظمها : أدعوتموهم مرة أو أنتم داعوهم دائما أم صمتّم عن دعائهم في وقت ما أم أنتم صامتون دائما عن دعائهم ، حالكم في كل هذه الأجوبة سواء في عدم الإجابة ، لا اختلاف فيه بوجه ، دل بالفعل أولا على حذف مثله ثانيا ، وبالاسم ثانيا على حذف مثله أولا . ولما كان اتباع من يدعي أنه أعقل الناس وأبعدهم عن النقائص وأعرقهم في معالي الأخلاق وأرفعهم عن سفسافها لمن هذا سبيله أخزى الخزي وأقبح العار ، وكانوا مع العلم بهذا الذي وصفت به - معبوداتهم يفعلون في الإشراك بهم وفي خوفهم ورجائهم ما هو عين الجهل ؛ كرر تبكيتهم باتباعهم في أسلوب آخر أوضح مما قبله في تبيين النقائص والتنبيه على المعايب ملجىء إلى الاعتراف أو التصريح بالعناد أو الجنون فقال مؤكدا :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ
أي أيها المشركون دعاء عبادة ملازمين لذلك ، أو أنه أطلق الدعاء على العبادة إشارة إلى أنه لا تصح عبادة من ليس فيه قابلية أن يدعى ، والحاصل أن الدعاء يلازم المعبود . ولما كان دعاؤهم لهم إنما هو على سبيل الإشراك ، قال مشيرا إلى سفول رتبتهم بإثبات الجار :
مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي الذي له صفات الكمال والعظمة والجلال
عِبادٌ أَمْثالُكُمْ
أي في العجز عن كل شيء لا سيما عما وقع به التحدي من معارضة القرآن وغيرها ، وأنتم تزيدون عليها بالحياة والعقل ، والمعبود لا يصح أن يكون مثل العابد فكيف إذا كان دونه ؛ ولما كانوا لا يسلمون أنهم أمثالهم ، سبب عن ذلك أمرهم بدعائهم لبيان دعوى المثلية بل الدونية فقال :
فَادْعُوهُمْ
أي إلى شيء من الأشياء .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 170 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي