تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
على قراءة الجماعة ، وعلى قراءة نافع وأبي بكر عن عاصم بكسر الشين وإسكان الراء والتنوين التقدير : ذوي شرك
فِيما آتاهُما
أي من القوى بالعبادة والرزق بالنذور ونحوها . ولما لم يضر المشركون بالإشراك إلا أنفسهم ، سبب عن ذلك قوله :
فَتَعالَى اللَّهُ
أي بما له من صفات الكمال التي ليست لغيره تعاليا كثيرا ، والدليل على إرادة النوعين قوله :
عَمَّا يُشْرِكُونَ *
بالجمع ، وكذا ما بعده من عيب عبادة الأصنام . ولما ذكر علوه سبحانه ، شرع يذكر من أوصافه عبارة وإشارة ما يدل على ذلك ، ويقيم الأدلة على عدم صلاحية ما أشركوا به للشركة بعجزها ، بأنها من جملة خلقه ولا تصرف لها تستحق به وجها من التعظيم ، فقال منكرا على عبادها دالّا على أن المراد الشرك الحقيقي ، لا ما ذكر من قصة إبليس في تسببه في التسمية بعبد الحارث ونحوه :
أَ يُشْرِكُونَ
أي المشركون وأولادهما في العبادة
ما لا يَخْلُقُ
أي من الأصنام والطبائع والكواكب وغيرها
شَيْئاً
أي يوجده من العدم كما يفعل اللّه الذي أشركوها به . ولما كان يلزم أن يكون ما لا يخلق شيئا مخلوقا لأنه لا يتكون عاجز بغير قادر أوجده ، صرح به في قوله مجريا للأوثان مجرى أولي العلم لتنزيلهم منزلتهم في الاعتقاد والعبادة :
وَهُمْ
ولما كان المصنوع لا يكون صانعا ، اكتفى بالبناء للمفعول فقال :
يُخْلَقُونَ *
أي متجددا خلق أعراضهم وذواتهم وأمثالهم
وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ
أي للمشركين الذين يعبدونها
نَصْراً
وهو المعونة على العدو ، ولعله عبر بصيغة العاقل إشارة إلى أنهم لو كانوا يعقلون ، وكانوا بهذه الصفات الخسيسة ما أهلوهم لأن يكونوا أحبابهم فضلا عن أن يجعلوهم أربابهم . ولما كان من لا ينصر غيره قد ينصر نفسه ، نفى ذلك بقوله :
وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ *
أي في وقت من الأوقات عندما يصيبهم بسوء ، بل عبدتهم يدافعون عنهم . ولما تبين من هذا الاستفهام الإنكاري المعجب من حالهم في ضلالهم في أسلوب الغيبة أن من أشركوه ليس فيه نوع قابلية لما أهلوه ، فإن المعبود يجب أن يكون قادرا ، ومن كان عاجزا نوع عجز كان مربوبا ، وكان للتنبيه بالخطاب ما ليس له بالغيبة ؛ أتبع ذلك في أسلوبه تعجيبا آخر منهم أشد من الأول ، وذلك أن معبوداتهم التي أشركوا بها كما أنها لا تفعل شيئا من تلقاء أنفسها ، لا تفعله عند دعاء الداعي ولا تهتدي إليه فقال تعالى
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ
أي وإن تدعوا أيها المشركون أصنامكم دعاء مستمرا متجددا