تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
ولما كان الإله الحق يجيب وليه عند التحدي من غير تخلف ، أشار إلى ذلك بالربط بالفاء فقال :
فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ
أي يوجدوا لكم إجابة بينة في الإتيان بسورة تماثل شيئا من القرآن وفي شيء من المنافع . ولما كان المقام محتاجا إلى مزيد توبيخ وإلهاب ، قدم منه ما رأيت ، ثم زاد في الإلهاب فقال :
إِنْ كُنْتُمْ
أي جبلة وطبعا
صادِقِينَ *
أي في دعوى أنهم آلهة ، فإن رتبة الإله تقتضي ذلك ، وقرأ سعيد بن جبير إن خفيفة وعبادا أمثالكم بنصب الدال واللام ، واتفق المفسرون على تخريجها على أن « إن » هي النافية أعملت عمل « ما » الحجازية ، فرفعت الاسم ونصبت الخبر ، وإعمالها هذا العمل فيه خلاف ، أجازه الكسائي وأكثر الكوفيين ، ومن البصريين ابن السراج والفارسي وابن جني ، ومنع منه الفراء وأكثر البصريين ، واختلف النقل عن سيبويه والمبرد ، والصحيح أن إعمالها لغة ثبت ذلك في النظم والنثر - ذكر ذلك كله أبو حيان وذكر أنه أشبع الكلام فيه في شرح التسهيل ، واعترض على هذا التخريج بأنه يلزم منه منافاتها للقراءة المشهورة ، وإنما يسلم له ذلك لو توارد النفي والإثبات على شيء واحد ، وليس الأمر هنا كذلك ، فالإثبات لمماثلتها لهم في مطلق العجز ، والنفي لمساواتها لهم فيه لزيادتهم عنها بالبطش ونحوه ، أو يكون الأمر - كما قال الزمخشري - أن الإثبات على سبيل التنزل والنفي على الحقيقة . ولما أثبت عجزهم وأنهم أمثالهم ، دل عليه وعلى أنهم دونهم بأسلوب إنكار وتعجيب مفصلا لبعض ما نفاه عنهم - فقال مقدما الأرجل لأن أول ما يخشى من الشيء انتقاله :
أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ
ولما كانت لهم جوارح مصنوعة ، بين المراد بقوله :
يَمْشُونَ بِها .
ولما كان المخشيّ بعد الانتقال مدّ اليد ، قال :
أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ
أي موصوفة بأنهم
يَبْطِشُونَ بِها
أي نوعا من البطش ؛ ولما كان المخوف بعد البطش باليد البصر خوفا من الدلالة قال :
أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ
أي منعوتة بأنهم
يُبْصِرُونَ بِها
أي ضربا من الإبصار ؛ ولما كان الإنسان ربما خاف مما يقصد ضره فتغيب عنه فلا يصل إليه بعد ذلك إلا بالسمع قال خاتما :
أَمْ لَهُمْ آذانٌ
أي مقول فيها أنهم
يَسْمَعُونَ بِها
أي شيئا من السمع . ولما سواها بهم ونفى عنهم ما تقدم ، لزم نقصانها عنهم وأنه في الحقيقة مسلوب عنهم لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا العدم ، والقدرة فيما يقدرون عليه إنما هي بيد الصانع لهم أشركهم معها ، وقال دالّا على ذلك مستأنفا :
قُلِ
أي لهؤلاء المشركين
ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ
أي هذه التي تقدمت ومهما شئتم غيرها ، واستعينوا بها في عداوتي .