تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
ولما كان هذا تحديا عظيما يحق لفاعله التمدح به ، نبه عليه بآداة التراخي فقال :
ثُمَّ كِيدُونِ
أي جميعا أنتم وهم وأنتم أكثر من حصى البطحاء ورمل الفضاء وأنا وحدي ، ولما كان المعنى : وعجلوا ، عطف بفاء السبب قوله :
فَلا تُنْظِرُونِ *
أي تمهلون لحظة فما فوقها لئلا تعتلوا في الإنظار بعلة ، وعلل عدم المبالاة بكيدهم بقوله دالّا على اتصاف معبوده بما نفاه عن شركائهم من الإحاطة بمنافع الدارين فيما يتعلق بالأديان والأبدان ، وقدم الدين إشارة إلى أنه الأهم فقال مؤكدا في مقابلة إنكارهم :
إِنَّ وَلِيِّيَ
أي ناصري ومتولي جميع أموري
اللَّهُ
أي الجامع لصفات الكمال
الَّذِي نَزَّلَ
أي بحسب التدريج متكفلا بفصل الوقائع
الْكِتابَ
أي الجامع لعلوم الأولين والآخرين وأمر المعاش والمعاد وأحوال الدارين وكل ما فيه صلاح من أحوال القلوب وغيرها الذي عجزتم بأجمعكم ومن دعيتم شركته عن معارضة شيء منه . ولما تكفل هذا التنزيل بجميع الصفات ، وهي الحياة التامة المستلزمة للإرادة والقدرة والعلم والسمع والبصر والكلام ، وكان عجزهم عن المعارضة للكتاب دليلا شهوديا قوليا على كذبهم ، أتبع ذلك دليلا آخر شهوديا فعليا فقال :
وَهُوَ
أي وحده
يَتَوَلَّى
أي يلي ولاية تامة
الصَّالِحِينَ *
أي كلهم بنصرهم على كل مناو وكفايتهم لكل مهم وقد علمتم ما قدمه في هذه السورة من وقائعه بمن كذب أنبياءه واستهزأ برسله وأنه أنجى كل من والاه ، وأهلك جميع من عاداه كمن عدوهم آلهة ، وهو وما بعده وما قبله متلفت إلى قوله تعالى
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ
[ الأعراف : 3 ] بالشرح ، وهو دال على أنه هو الذي فعل ما تقدم لأجل أوليائه بدليل أنه أعجزهم عن معارضة شيء من كتابه ، وعن الوصول إلى جميع ما يريدون من أوليائه وأحبابه .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 197 إلى 201 ]

وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ( 197 ) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 198 ) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 ) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 200 ) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ( 201 ) ولما صور بهذا جلاله ، وقرر عظمته وكماله ، باتصافه بجميع الصفات العلى التي منها القدرة التي تكفهم عنه ؛ كرر التنفير عن أندادهم في أسلوب آخر تأكيدا للمعنى السابق بزيادة بالغة في العجز وهو تصويب النظر من غير إبصار ، مع أن الأول للتقريع ،
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 172 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي