تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارات الالهية الى المباحث الاصولية ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
( 182 ) [ الأعراف : 182 ] فلعمري لقد قال مقالا ، غير أن نرجع إلى أصل المسألة فنقول : نسيانهم للذكر إما أن يكون مراد الوجود منهم أو مراد العدم ، أو لا مراد الوجود ولا مراد العدم ، فإن كان مراد الوجود حصل المقصود ، لما تقرر من أن القدرة لا تتعلق إلا بما تتعلق به الإرادة ، فإن كان مرادا منهم كان مقدورا عليهم ، والمقدور واجب الوقوع . وإن كان مراد العدم لزم أن يكون وجوده منهم مراغما للإرادة / [ 312 / ل ] والعلم والقدرة الأزلية ؛ لاستحالة تعلق الجميع إلا بمتعلق واحد ؛ لئلا تتنافى الصفات القديمة أو الذات أو الأحوال في متعلقاتها ، وهو محال ، وحينئذ يلزم غلبة الحادث للقديم ، وهو باطل . وإن كان لا مراد الوجود ، ولا مراد العدم لزم خلو بعض الموجودات عن تعلق الإرادة والعلم والقدرة به ؛ لاستحالة تعلق بعضها بما لا يتعلق به البعض ، وإنه محال .
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً
( 19 ) [ الفرقان : 19 ] يحتج به القدرية ، ووجهه : أن اللّه - عزّ وجل - قسم في سؤال الآلهة تقسيما حاضرا ؛ فقال : أأنتم أضللتم هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ؟ قالوا : ما أضللناهم . فتعين أنه هم ضلوا ، فلذلك أكذبهم في دعواهم أن هؤلاء المعبودين من دون اللّه أضلونا ، وحينئذ يلزم نسبة ضلالهم إلى أنفسهم . والجواب : أنا لا نسلم أن المراد بقوله - عزّ وجل - :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ
( 17 ) [ الفرقان : 17 ] الحصر ، بل المراد تكذيب الكفار في أن معبوديهم أضلوهم ، وهو حاصل بتنصل المعبودين عن ذلك ، والقسمة تقتضي أن الذي أضلهم إما معبودوهم أو أنفسهم ، أو اللّه - عزّ وجل - مستقلا بإضلالهم كما / [ 148 أ / م ] تقول الجبرية ، أو مشاركا فيه ، كما تقول الكسبية ؛ وحينئذ لا يتعين ما ذكرتموه من أنهم هم ضلوا بأنفسهم . فإن قيل : فعلى كل حال لم تقم لهم حجة ، ولا أقيم لهم عذر ، ولو صح ما ذكرتموه لاحتجوا به والتمسوا العذر ولأغنى عنهم شيئا . وجوابه : أن هذا لا يلزم ؛ لأن الكسبي يقول : قامت الحجة عليهم بكسبهم ، والجبري يقول : قامت الحجة عليهم بموجب علمه أن لو فوض إليهم خلق أفعالهم لكانوا كفارا عصاة .
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي