منه ، وهذه الصفة ليست لأحد إلا للباري تعالى ، وأمّا البشر فيتفاوتون فلا تجد أحدا يتقن شيئا إلا وفوقه في ذلك العلم من يفوقه فيه إلى أن ينتهي ذلك العلم إلى واحد مخصوص ، ففوق ذلك الواحد الباري تعالى .
وقوله :
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
« 1 » فالفوقيّة هنا ليست حقيقتها مرادة - تعالى اللّه عن الجهة - وإنّما المراد أنّ قهره وسلطنه [ وقدرته استعلت على عباده ؛ فهم تحت قهره وسلطنه ] « 2 » لا يخرجون عن إرادته ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرّا ولا خيرا ولا شرّا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا .
واعلم أنّ فوق من ظروف الأمكنة المقابل لتحت وتصرفه قليل جدا ، ويضاف فيعرّف ، ويقطع فيبنى كقبل ، ويكون ظرفا حقيقة ومجازا نحو : ثوبك فوقك ، ونعمته فوقك ، ولما ذكرته من المجاز قال بعضهم : فوق تستعمل في المكان والزمان والجسم والعدد والمنزلة ، وذلك أضرب ؛ الأول : باعتبار العلوّ ، ويقابله تحت نحو قوله تعالى :
قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ
« 3 » ولذلك قابله بقوله :
أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ
« 4 » والثاني : باعتبار الصّعود والحدور كقوله تعالى :
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
« 5 » . قلت : ولذلك قوبل هنا بأسفل دون تحت . الثالث : أن يقال في العدد ، أي باعتبار الزيادة ، كقوله تعالى :
فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ
« 6 » أي زائدة على اثنتين . ولما رأى بعضهم أنّ حكم الثّنتين حكم حكم ما فوقهما في ذلك زعم أنّ فوق زائدة ، وجعل مثله
: « فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ »
« 7 » . وقال : تقديره فاضربوا الأعناق ، وهذا وهم ، وتحقيقه في غير هذا / . الرابع : يقال في الكبير والصّغير كقوله تعالى :
بَعُوضَةً فَما
هامش
( 1 ) 18 / الأنعام : 6 .
( 2 ) إضافة من النسخة د .
( 3 ) 65 / الأنعام : 6 .
( 4 ) تابع الآية السابقة .
( 5 ) 10 / الأحزاب : 33 .
( 6 ) 11 / النساء : 4 .
( 7 ) 12 / الأنفال : 8 .