تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
الحسن البصري ، وبدأ به الزمخشري ، فقد استبعد هذا التأويل فقراءة الكوفيين
« لِيُضِلُّوا »
بضم الياء ، فإنه يبعد أن يدعى عليهم بأن يضلوا غيرهم ، وقرأ الباقون بفتحها ، وقرأ الشعبي بكسرها ، فوالى بين كسرات إحداها في ( ياء ) . وقرأ الفضل الرّقاشي : « أنّك آتيت » . على الاستفهام ، وقال الجبائي : إنّ « لا » مقدرة بين اللام والفعل تقديره : لئلا يضلوا ، ورأي البصريين في مثل هذا تقدير : كراهة أي : كراهة أن يضلوا . قوله :
فَلا يُؤْمِنُوا
يحتمل النصب والجزم ، فالنصب من وجهين ، أحدهما : عطفه على
« لِيُضِلُّوا »
، والثاني : نصبه على جواب الدعاء في قوله :
« اطْمِسْ »
، والجزم على أن « لا » للدعاء كقولك : « لا تعذبني يا رب » وهو قريب معنى
« لِيُضِلُّوا »
في كونه دعاء ، هذا في جانب شبه النهي ، وذلك في جانب شبه الأمر ، و
« حَتَّى يَرَوُا »
غاية لنفي إيمانهم ، والأول قول الأخفش . والثاني : بدأ به الزمخشري . والثالث : قول الكسائي والفراء وأنشدا قوله : 2645 -
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى * ولا تلقني إلّا وأنفك راغم « 1 »
قوله :
أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما .
الضمير : ل « موسى وهارون » وفي التفسير كان موسى يدعو وهارون يؤمن ، فنسب الدعاء إليهما . وقال بعضهم : المراد موسى وحده ، ولكن كنى عن الواحد بضمير الاثنين . وقرأ السّلمي والضحاك « دعواتكما » على الجمع . وقرأ ابن السّميفع : « قد أجبت دعوتكما » بتاء المتكلم وهو الباري تعالى . و
« دَعْوَتُكُما »
( نصبت على المفعول به ، وقرأ الرّبيع « أجبت دعوتكما » بتاء المتكلم أيضا » ، و « دعوتيكما » بتثنية ، وهي تدل لمن قال : إنّ هارون شارك موسى في الدعاء . قوله :
وَلا تَتَّبِعانِّ
قرأ العامة بتشديد التاء والنون ، وقرأ حفص بتخفيف النون مكسورة مع تشديد التاء وتخفيفها ، وللفراء في ذلك كلام مضطرب بالنسبة للنقل عنه ، فأما قراءة العامة ف
« لا »
فيها للنهي ، ولذلك أكد الفعل بعدها ، ويضعف أن تكون نافية ، لأن تأكيد المنفى ضعيف ، ولا ضرورة بنا إلى ادعائه ، وإن كان بعضهم قد ادعى ذلك في قوله :
لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا
« 2 » لضرورة دعت إلى ذلك هناك ، وقد تقدم تحريره ودليله في موضعه ، وعلى الصحيح تكون هذه الجملة نهي معطوفة على جملة أمر ، وأما قراءة حفص فلا تحتمل « أن » تكون للنفي ، وأن تكون للنهي ، فإن كانت للنفي كانت النون نون رفع والجملة حينئذ فيها أوجه : أحدها : أنها في موضع الحال ، أي : فاستقيما غير متبعين ، إلا أن هذا معترض بما قدمته غير مرة ، من أن المضارع المنفي بلا كالمثبت في كونه لا تباشره واو الحال ، إلا أن يقدر قبله مبتدأ فتكون الجمل الاسمية أي : وأنتما لا تتبعان . والثاني : أنّها نفي في معنى النهي كقوله تعالى :
لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ .
الثالث : أنّها خبر محض مستأنف لا تعلق له بما قبله ، والمعنى : أنّهما أخيرا بأنهما لا يتبعان سبيل الذين لا يعلمون ، وإن كانت للنهي كانت النون للتأكيد وهي الخفيفة ، وهذا لا يراه سيبويه « 3 » والكسائي أعني : وقوع النون الخفيفة بعد الألف سواء كانت الألف ألف تثنية أو ألف وصل بين نون الإناث ونون التوكيد ، نحو : « هل تضربنان يا
هامش
( 1 ) البيت للأعشى أنظر ديوانه ( ) ، القرطبي ( 8 / 375 ) ، البحر المحيط ( 5 / 187 ) ، اللسان « زوى » . ( 2 ) سورة الأنفال ، آية : ( 25 ) . ( 3 ) أنظر الكتاب ( 3 / 526 ) .