تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
نظر ! لأنه لو ورد ذلك في كلامهم محكيا عنهم لاحتمل ذلك . والثاني : أن فرعون صار اسما لأتباعه ، كما أن ثمودا اسم للقبيلة كلها . وقال مكي - وجهين آخرين قريبين من هذين ولكنهما أخلص منهما - قال : « إنما جمع الضمير في
« مَلَائِهِمْ »
، لأنه إخبار عن جبار والجبار يخبر عنه بلفظ الجمع ، وقيل : لما ذكر فرعون علم أن معه غيره فرجع الضمير عليه وعلى من معه . قلت : وقد تقدم نحو من هذا عند قوله
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ .
« 1 » والمراد بالقائل : نعيم بن مسعود ، لأنه لا يخلو من مساعد له في ذلك . الرابع : أن يعود على مضاف محذوف وهو « آل » تقديره : على خوف من آل فرعون وملائهم ، قاله الفراء . كما حذف في قوله :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
« 2 » قال أبو البقاء - بعد أن حكى هذا ولم يعزه لأحد - : « وهذا عندنا غلط » ، لأن المحذوف لا يعود إليه ضمير ، إذ لو جاز ذلك لجاز أن تقول : « زيد قاموا » ، وأنت تريد غلمان زيد قاموا . « قلت قوله : لأن المحذوف لا يعود إليه ضمير ممنوع ، بل إذا حذف المضاف فللعرب فيه مذهبان : الالتفات إليه ، وعدمه ، وهو الأكثر ، ويدل على ذلك أنه قد جمع بين الأمرين في قوله :
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها
« 3 » أي : أهل قرية ، ثم قال :
أَوْ هُمْ قائِلُونَ
« 4 » وقد حققت ذلك في موضعه المشار إليه . وقوله : لجاز زيد قاموا ، ليس نظيره ، فإن فيه حذفا من غير دليل بخلاف الآية . وقال الشيخ « 5 » - بعد أن حكى كلام الفراء - : « وردّ عليه بأن الخوف يمكن من فرعون ولا يمكن سؤال القرية فلا يحذف إلّا ما دل عليه الدليل ، وقد يقال : ويدل على هذا المحذوف جمع الضمير في
« وَمَلَائِهِمْ »
. قلت : يعني أنهم ردوا على الفراء بالفرق بين
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
وبين هذه الآية ، بأن سؤال القرية غير ممكن ، فاضطررنا إلى تقدير مضاف بخلاف الآية ، فإنّ الخوف يمكن من فرعون فلا اضطرار بنا يدلنا على مضاف محذوف ، وجواب هذا : أن الحذف قد يكون لدليل عقلي أو لفظي ، على أنه قيل في
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
« 6 » أنه حقيقة ، إذ يمكن النبي أن يسأل القرية فتجيبه . الخامس : أن ثمّ معطوفا محذوفا حذف للدلالة عليه ، والدليل كون الملك لا يكون وحده بل له حاشية وعسكر وجند فكان التقدير : على خوف من فرعون وقومه وملائهم ، أي : ملأ فرعون وقومه ، وهو منقول عن الفراء أيضا . قلت : حذف المعطوف قليل في كلامهم ، ومنه عند بعضهم قوله تعالى :
تَقِيكُمُ الْحَرَّ
« 7 » أي : والبرد ، وقول الشاعر : 2639 -
كأنّ الحصى من خلفها وأمامها * إذا حذفته رجلها حذف أعسرا « 8 »
أي : ويدها . قوله :
أَنْ يَفْتِنَهُمْ
فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه في محل جر على البدل من
« فِرْعَوْنَ »
وهو بدل اشتمال تقديره : على خوف من فرعون فتنته كقولك : « أعجبني زيد علمه » .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، آية : ( 173 ) . ( 2 ) سورة يوسف ، آية : ( 82 ) . ( 3 ) سورة الأعراف ، آية : ( 4 ) . ( 4 ) الأعراف آية : ( 4 ) . ( 5 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 184 ) . ( 6 ) سورة يوسف ، آية : ( 82 ) . ( 7 ) سورة النحل ، آية : ( 81 ) . ( 8 ) تقدم .