[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 63 إلى 65 ]
قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ( 63 ) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً ( 64 ) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( 65 )
قوله :
نَسِيا .
الظاهر نسبة النسيان إلى موسى وفتاه ، يعني : نسيا تفقّد أمره ، فإنه كان علامة لهما على ما يطلبانه ، وقيل :
نسي موسى أن يأمره بالإتيان به ، ونسي يوشع أن يفكّره بأمره ، وقيل : الناسي يوشع فقط ، وهو على حذف مضاف ، أي : نسي أحدهما ، كقوله تعالى :
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
« 1 » . قوله :
فِي الْبَحْرِ سَرَباً
سربا : مفعول ثان ل « اتّخذ » ، و
« فِي الْبَحْرِ »
يجوز أن يتعلق ب « اتّخذ » ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول الأول أو الثاني ، والهاء في
« سَبِيلَهُ »
تعود على « الحوت » ، وكذا المرفوع في « اتّخذ » .
قوله :
جاوَزا .
مفعول محذوف ، أي : جاوزا الموعد ، وقيل : جاوزا مجمع البحرين . قوله :
« هذا »
إشارة إلى السفر الذي وقع بعد مجاوزتهما الموعد ، جمع البحرين ، « و
نَصَباً
» المفعول ب
« لَقِينا »
. والعامة على فتح النون والصاد
« نَصَباً »
، وعبد اللّه بن عبيد بن عمير بضمهما ، وهما لغتان لغات أربع في هذه اللفظة ، كذا قال أبو الفضل الرازي في قوله :
أَ رَأَيْتَ .
قد تقدم الكلام فيها مشبعا في الأنعام « 2 » . وقال أبو الأخفش - هنا - فيها كلاما حسنا ، رأيت نقله ، وهو : أن العرب أخرجتها عن معناها بالكلية ، فقالوا : أرأيتك وأريتك ، بحذف الهمزة إذا كانت بمعنى : أخبرني ، وإذا كانت بمعنى : أبصرت لم تحذف همزتها ، وشذت أيضا فألزمها الخطاب على هذا المعنى ، ولا تقول فيها أبدا : « أراني زيدا عمرا ما صنع » وتقول هذا على معنى أعلم ، وشذت أيضا ، فأخرجتها عن موضعها بالكلية ، بدليل دخول الفاء ، ألا ترى قوله :
« أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي »
فما دخلت الفاء إلّا وقد أخرجت إلى المعنى أمّا ، أو تنبّه .
والمعنى : أمّا إذ أوينا إلى الصخرة ، فإني نسيت الحوت ، وقد أخرجتها إلى معنى أخبرني كما قدمنا ، وإذا كانت بمعنى أخبرني ، فلا بد بعدها من الاسم المستخبر عنه ويلزم من الجملة التي بعدها الاستفهام ، وقد تخرج لمعنى :
« أمّا » ، ويكون « أبدا » بعدها الشرط وظروف الزمان ، فقوله :
« فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ »
معناه : أما إذ أوينا فإني ، أو إذ أوينا ، وليست الفاء إلا جوابا ل
« أَ رَأَيْتَ »
، لأنّ
« إِذْ »
لا يصح أن يجازي بها ، إلّا مقرونة ب
« ما »
بلا خلاف » . « 3 » وقال الزمخشري : أرأيت بمعنى أخبرني ، إن قلت : ما وجه التئام هذا الكلام ؟ فإنّ كلّ واحد من
« أَ رَأَيْتَ »
، ومن
« إِذْ أَوَيْنا »
، ومن
« فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ »
لا متعلق له ؟ قلت : لما طلب موسى الحوت ، ذكر يوشع ما رأى منه ، وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية ، ودهش فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك ، كأنه قال : أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ، فحذف ذلك » .
قال الشيخ « 4 » : « وهذان مقصودان في تقدير الزمخشري ،
« أَ رَأَيْتَ »
بمعنى أخبرني » . يعني بهذين وتقدم في
هامش
( 1 ) سورة الرحمن آية ، ( 22 ) .
( 2 ) آية ، رقم ( 40 ) .
( 3 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 145 ) .
( 4 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 146 ) .