فصّلها واحدا واحدا ، يعني : أن الإنسان أكثر جدلا من كلّ شيء يجادل ، فوضع
« شَيْءٍ »
موضع الأشياء ، وهل يجوز أن يكون
« جَدَلًا »
منقول من اسم
« كانَ »
، إذ الأصل : وكان جدل الإنسان أكثر شيء ، وفيه نظر ، وكلام أبى البقاء يشعر بجوازه ، فإنه قال : فيه وجهان :
أحدهما : أن
« شَيْءٍ »
هنا في معنى مجادل ، لأنّ أفعل يضاف إلى ما هو بعض له ، وتمييزه ب
« جَدَلًا »
يقتضي أن يكون الأكثر مجادلا ، وهذا من وضع العام موضع الخاص .
والثاني : أنّ في الكلام محذوفا ، تقديره : وكان جدل الإنسان أكثر شيء ، ثم ميّزه ، بقوله : تقديره : وكأن جدل الانسان يفيد أنّ إسناد
« كانَ »
إلى الجدل جائز في الجملة ، إلّا أنه لا بدّ من تتميم لذلك ، وهو أن يتجوز فيجعل للجدل جدلا ، كقولهم : شعر شاعر ، يعني : أن لجدل الانسان جدلا هو أكثر من جدل سائر الأشياء .
قوله :
وَما مَنَعَ .
قد تقدم في آخر السورة قبلها « 1 » . وقوله :
قُبُلًا
قد تقدم خلال القراء فيه ، وتوجيه ذلك .
قوله :
لِيُدْحِضُوا .
متعلق ب
« يُجادِلُ »
. والإدحاض : الإزلاق ، يقال : أدحض قدمه ، أي : أزلقها ، وأزلّها عن موضعها ، والحجّة الدّاحضة التي لا ثبات لها لزلزلة قدمها والدّحض : الطّين ، لأنه يزلق فيه . قال :
3203 -
أبا منذر رمت الوفاء وهبته * وجدت كما حاد البعير المدحض « 2 »
وقال الآخر :
3204 -
وردت ونجّى اليشكريّ حذاره * وحاد كما حاد البعير من الدّحض « 3 »
ومكان دحض من هذا . قوله :
وَما أُنْذِرُوا
يجوز في
« ما »
أن تكون مصدرية ، وأن تكون بمعنى الذي ، والعائد محذوف . وعلى التقديرين فهي عطف على :
« آياتِي . . . »
و
« هُزُواً »
مفعول ثان ، أو حال . وتقدم الخلاف في « هزءا » . وتقدم إعراب ما بعد هذه الآية في الأنعام « 4 » .
قوله :
بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ .
يجوز في الموعد أن يكون مصدرا أو زمانا أو مكانا . والموئل : المرجع ، من وأل يئل ، أي : رجع . وهو من التّأويل . وقال الفراء : الموئل : المنجى وآلت نفسه ، أي : نجت . قال الأعشى :
3205 -
وقد أخالس ربّ البيت غفلته * وقد يحاذر منّي ، ثمّ ما يئل « 5 »
هامش
( 1 ) الإسراء آية ، ( 95 ) .
( 2 ) لأبي كبير انظر ديوان الهذليين ( 2 / 104 ) ، الطبري ( 1 / 173 ) ، البحر ( 6 / 138 ) ، روح المعاني ( 15 / 299 ) ، اللسان « صرف » .
( 3 ) البيت لطرفة انظر شرح ديوان الحماسة ( 3 / 1165 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 409 ) ، البحر ( 6 / 132 ) ، الجمهرة ( 2 / 123 ) ، اللسان دحض .
( 4 ) انظر آية ، رقم ( 25 ) .
( 5 ) البيت في ديوانه ( ) ، شرح القصائد العشر ( 493 ) ، مجاز