تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
فيها ، وأن تكون معربة ، ولهذا موضع أليق به في مريم . وفي الثاني جعلها استفهامية ، بدليل أنها ضمن الابتغاء معنى شيء يعلق ، وهو « يحرصون » فيكون
« أَيُّهُمْ »
مبتدأ ، و
« أَقْرَبُ »
خبره ، والجملة في محل نصب على إسقاط الخافض ، لأنّ « تحرص » يتعدى ب « على » قال تعالى :
إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ
- و
أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى .
وقال أبو البقاء : و
« أَيُّهُمْ »
مبتدأ ، و
« أَقْرَبُ »
خبره ، وهو استفهام في موضع نصب ب
« يَدْعُونَ »
، ويجوز أن يكون
« أيهم »
بمعنى الذي ، وهو بدل من الضمير في
« يَدْعُونَ »
. قال الشيخ « 1 » : علّق
« يَدْعُونَ »
وهو ليس فعلا قلبيا ، وفي الثاني فصل بين الصلة ومعمولها بالجملة الحالية ، ولا يضر ذلك ، لأنها معمولة للصلة . قلت : أمّا كون
« يَدْعُونَ »
لا يعلق ، هو مذهب الجمهور ، وقال يونس : ويجوز تعليق الأفعال مطلقا القلبية وغيرها ، وأما قوله فصل بالجملة الحالية ، يعني بها
« يَبْتَغُونَ »
فصل بها بين
« يَدْعُونَ »
الذي هو صلة
« الَّذِينَ »
، وبين معموله ، وهو
« أَيُّهُمْ أَقْرَبُ »
لأنه معلق عنه كما عرفته ، إلّا أنّ الشيخ لم يتقدم في كلامه إعراب
« يَبْتَغُونَ »
حالا ، بل لم يعربها إلّا خبرا للموصول ، وهذا قريب . وجعل أبو البقاء « أيّا » الموصولة بدلا من واو
« يَدْعُونَ »
. ولم أر غيره وافقه على ذلك ، بل كلهم يجعلونها بدلا من واو
« يَبْتَغُونَ »
وهو الظاهر . وقال الحوفي :
« أَيُّهُمْ أَقْرَبُ »
ابتداء وخبر ، والمعنى : ينظرون أيهم أقرب ، فيتوسلون به ، ويجوز أن يكون
« أَيُّهُمْ أَقْرَبُ »
بدلا من واو
« يَبْتَغُونَ »
. قلت : فقد أضمر فعلا معلقا وهو ينظرون ، فإن كان من نظر البصر تعدى ب « إلى » وإن كان من نظر الفكر تعدى ب « في » ، فعلى التقديرين الجملة الاستفهامية في موضع نصب بإسقاط الخافض . وهذا إضمار ما لا حاجة إليه . وقال ابن عطية : « و
أَيُّهُمْ
» ابتداء ، و
« أَقْرَبُ »
خبره . والتقدير : نظرهم ووكدهم أيّهم أقرب ، ومنه قول عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - : « فبات النّاس يدركون أيّهم يعطاها » . أي : يتبادرون في طلب القرب . قال الشيخ « 2 » : « فجعل المحذوف نظرهم ووكدهم ، وهذا مبتدأ ، فإن جعلت
« أَيُّهُمْ أَقْرَبُ »
في موضع نصب ب « نظرهم » ، بقي المبتدأ بلا خبر ، فيحتاج إلى إضمار خبر ، وإن جعلت
« أَيُّهُمْ أَقْرَبُ »
الخبر لم يصح ذلك ، لأن كائنا وحاصلا ليس ممّا يعلّق . « قلت : فقد تحصّل في الآية الكريمة ستة أوجه ، أربعة حال جعل « أيّ » استفهاما : الأول : أنها متعلقة للوسيلة ، كما قرّره الزمخشري . الثاني : أنها متعلقة ل
« يَدْعُونَ »
، كما قال أبو البقاء . الثالث : أنها معلقة ل « ينظرون » مقدّرا كما قاله الحوفي . الرابع : أنها معلقة لنظرهم ، كما قدّره ابن عطية . واثنان حال جعلها موصولة ، الأول : البدل من واو
« يَدْعُونَ »
كما قدّره أبو البقاء . الثاني : أنها بدل من واو
« يَبْتَغُونَ »
كما قاله الجمهور .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 58 ]

وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ( 58 )
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 52 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 52 ) .