تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
كلام الحوفي ، وقال ابن عطية : « والكاف في
« أَ رَأَيْتَكَ »
حرف خطاب لا موضع لها من الإعراب ، ومعنى « أرأيت » أتأملت ونحوه . كأنّ المخاطب ينبه المخاطب ليستجمع لما ينصّ عليه . وقال سيبويه « 1 » : « هي بمعنى أخبرني ، ومثل بقوله : « أرأيتك زيدا أبو من هو » ؟ وقول سيبويه صحيح ، حيث يكون بعدها استفهام كمثاله ، وأما في الآية فهي كما قلت ، وليست التي ذكر سيبويه » . قلت : وهذا الذي ذكره ليس بمسلم ، بل الآية كمثاله غاية ما في الباب ، أن المفعول الثاني محذوف ، وهو : الجملة الاستفهامية المقدرة لانعقاد الكلام من مبتدأ وخبر ، لو قلت : هذا الذي كرّمته عليّ لم كرّمته . وقال الفراء : « الكاف في محل نصب » ، أي : أرأيت نفسك ، كقولك : أتدبرت آخر أمرك ، فإني صانع فيه كذا ، ثم ابتداء : هذا الذي كرمت علي » . وقال أبو البقاء : « والمفعول الثاني محذوف ، تقديره : تفضيله ، أو تكريمه » . قلت : وهذا لا يجوز ، لأن المفعول الثاني في هذا الباب لا يكون جملة مشتملة على استفهام . قال الشيخ : « لو ذهب ذاهب إلى أنّ الجملة القسمية هي المفعول الثاني لكان حسنا » . قلت : يرد على ذلك التزام كون المفعول الثاني جملة مشتملة على استفهام ، وقد تقرر جميع ذلك في سورة الأنعام . فعليك باعتباره هنا . قوله :
لَئِنْ أَخَّرْتَنِ
قرأ ابن كثير بإثبات ياء المتكلم وصلا ووقفا ، وأبرز عمرو بإثباتها وصلا وحذفها وقفا ، وهذه قاعدة من ذكر في الياءات الزائدة على الرسم ، والباقون بحذفها وصلا ووقفا . هذا كله في حرف هذه السورة ، أما الذي في المنافقين في قوله :
لَوْ لا أَخَّرْتَنِي
« 2 » فأثبته الكلّ ، لثبوتها في الرسم الكريم . قوله :
لَأَحْتَنِكَنَّ
جواب القسم الموطأ له ب « اللام » ، ومعنى
« لَأَحْتَنِكَنَّ »
: لأستولينّ عليهم استيلاء من جعل في حنك الدّابّة حبلا يقودها به ، فلا تأتي ولا تشمس عليه ، يقال : حنك فلان الدّابّة ، واحتنكها ، أي : فعل بها ذلك ، واحتنك الجراد الأرض ، أكل نباتها . قال الراجز : 3109 -
نشكو إليك سنة قد أجحفت * جهدا إلى جهد بنا فأضعفت
واحتنكت أموالنا وجلفت « 3 »
وحكى سيبويه : أحنك الشّاتين ، أي : آكلهما ، أي : أكثرهما أكلا . قوله :
. . . اذْهَبْ . . . .
تقدّم أن الباء تدغم في الفاء في ألفاظ ، منها هذه عند أبي عمرو ، والكسائي ، وحمزة ، في رواية خلّاد عنه ، بخلاف في قوله :
« وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ »
. قوله :
جَزاؤُكُمْ
يجوز أن يكون الخطاب للتغليب ، لأنه تقدم غائب ومخاطب في قوله :
« فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ »
فغلّب المخاطب ، ويجوز أن يكون الخطاب مرادا به « من » خاصة ، ويكون ذلك على سبيل الالتفات . قوله :
« جَزاءً »
في نصبه أوجه : أحدها : أنه منصوب على المصدر الناصب له المصدر قبله ، وهو مصدر مبين لنوع المصدر الأول .
هامش
( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 239 ) . ( 2 ) سورة المنافقون آية ، ( 10 ) . ( 3 ) الأبيات للزفيان السعدي انظرهما في تفسير الطبري ( 15 / 80 ) ، القرطبي ( 10 / 287 ) ، البحر المحيط ( 6 / 45 ) ، روح المعاني ( 15 / 110 ) .