3102 -
فإن تسألينا : فيم نحن ؟ فإنّنا * عصافير من هذا الأنام المسحّر « 1 »
وردّ الناس على أبي عبيدة قوله لبعده لفظا ومعنى . قال ابن قتيبة : « لا أدري ما الذي حمل أبا عبيدة على هذا التفسير المستكره ، مع ما فسّره السلف بوجوهه الواضحة . قلت : وأيضا فإنّ السّحر الذي هو الرّئة ، لم يضرب له فيه بخلاف السّحر ، فإنهم ضربوا له فيه المثل فيما بعد الآية من قوله :
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ،
لا يناسب إلا السّحر بالكسر .
قوله :
أَ إِذا كُنَّا . . .
قد تقدم خلاف القراء في الاستفهامين ، كهذه الآية في سورة الرعد ، وتحقيق ذلك . والعامل في
« إِذا »
محذوف ، تقديره : أنبعث ، أو نحشر إذا كنّا ، دلّ عليه « مبعوثون » . ولا يعمل فيها « مبعوثون » ، لأنّ ما بعد « إنّ » لا يعمل فيما قبلها ، وكذا ما بعد الاستفهام لا يعمل فيما قبله ، وقد اجتمعا هنا ، وعلى هذا التقدير الذي ذكرته تكون
« إِذا »
متمحضة للظرفية ، ويجوز أن تكون شرطية ، فيقدّر العامل فيها جوابها ، تقديره : أئذا كنا عظاما ورفاتا نبعث ، أو نعاد ، ونحو ذلك . فهذا المحذوف جواب الشرط عند سيبويه . والذي انصب عليه الاستفهام عند يونس . قوله :
وَرُفاتاً
الرّفات : ما يولغ في دقّه وتفتيته ، وهو اسم لأجزاء أخرى الشيء المفتّت ، وقال الفراء : « هو التّراب » .
ويؤيده أنه قد تكرر في القرآن
« تُراباً وَعِظاماً » *
. ويقال : رفت الشّيء يرفته - بالكسر أي - كسره ، والفعال يغلب في التّفريق ، كالحطام ، والدّقاق ، والفتات . قوله :
« خَلْقاً »
يجوز فيه وجهان .
أحدهما : أنه مصدر من معنى الفعل ، لا من لفظه ، أي : نبعث بعثا جديدا .
والثاني : أنه في موضع الحال ، أي : مخلوقين .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 51 إلى 54 ]
أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ( 51 ) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ( 52 ) وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً ( 53 ) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ( 54 )
قوله :
قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ .
فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مبتدأ ، وخبره محذوف ، أي : الذي فطركم يعيدكم ، وهذا التقدير فيه مطابقة بين السؤال والجواب .
هامش
( 1 ) انظر ديوانه ( 71 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 381 ) ، الطبري ( 15 / 63 ) ، البحر المحيط ( 6 / 44 ) ، روح المعاني ( 15 / 90 ) .