[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 79 إلى 84 ]
أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 79 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ ( 80 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ( 81 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 82 ) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ( 83 )
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 84 )
قوله :
ما يُمْسِكُهُنَّ .
يجوز أن تكون حالا من الضمير المستتر في
« مُسَخَّراتٍ »
، ويجوز أن يكون من
« الطَّيْرِ »
، ويجوز أن تكون مستأنفة .
قوله :
سَكَناً .
يجوز أن يكون مفعولا أول على أنّ الجعل تصيير ، والمفعول الثاني أحد الجارين قبله ، ويجوز أن يكون الجعل بمعنى الخلق ، فيتعدى لواحد ، وإنما وحّد السّكن ، لأنه بمعنى ما يسكنون فيه ، قاله أبو البقاء . وقد يقال : إنه في الأصل مصدر ، وإليه ذهب ابن عطية فتوحيده واضح ، إلّا أنّ الشيخ منع كونه مصدرا ، ولم يذكر وجه المنع ، وكأنه اعتمد على قول أهل اللغة : السّكن : فعل بمعنى مفعول ، كالقبض بمعنى المقبوض ، والنّقض بمعنى المنقوض . وأنشد الفراء :
3036 -
جاء الشّتاء ولم اتّخذ سكنا * يا ويح نفسي من حفر القراميص « 1 »
قوله :
« يَوْمَ ظَعْنِكُمْ »
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح العين والباقون بإسكانها وهما لغتان بمعنى ك « النّهر ، والنّهر » وزعم بعضهم « 2 » : أنّ الأصل الفتح والسكون تخفيف ، لأجل حرف الحلق ك « الشّعر والشّعر » . قوله :
« أَثاثاً »
فيه وجهان :
أحدهما : أنه منصوب عطفا على
« بُيُوتاً »
، أي : وجعل لكم من أصوافها أثاثا ، وعلى هذا فيكون قد عطف مجرورا على مجرور ، ومنصوبا على منصوب ، ولا فصل هنا بين حرف العطف والمعطوف حينئذ ، وقال أبو البقاء :
« وقد فصل بينه وبين حرف العطف بالجار والمجرور ، وهو قوله :
« وَمِنْ أَصْوافِها »
، وهو ليس بفصل مستقبح ، كما زعم في الإيضاح ، لأنّ الجار والمجرور مفعول ، وتقديم مفعول على مفعول قياس » . وفيه نظر ، لما عرفت من أنه
هامش
( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 523 ) ، روح المعاني ( 14 / ) ، اللسان « قرمص » .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 523 ) .