بين جواب المقرّ ، وجواب الجاحد ، يعني : أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا ، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال ، فقالوا خيرا . وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال ، فقالوا : هو أساطير الأولين وليس هو من الإنزال في شيء . وزيد على « خير » بالرفع ، أي : المنزل خيرا . وهي مؤيدة لجعل « ذا » موصولة ، وهو الأحسن لمطابقة الجواب لسؤاله ، وإن كان العكس جاز ، وقد تقدم تحقيقه في البقرة « 1 » قوله :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ
هذه الجملة يجوز فيها أوجه :
أحدها : أن تكون منقطعة مما قبلها استئناف ، إخبار بذلك .
الثاني : أنها بدل من
« خَيْراً »
. قال الزمخشري : « هو بدل من
« خَيْراً »
، حكاية لقول الذين اتقوا ، أي : قالوا هذا القول ، فقدم تسميته خيرا ، ثم حكاه .
الثالث : أن هذه الجملة تفسير لقوله :
« خَيْراً »
وذلك أن الخير هو الوحي الذي أنزل اللّه فيه من أحسن في الدنيا بالطاعة فله حسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة .
وقوله :
« فِي هذِهِ الدُّنْيا »
الظاهر تعلقه ب
« أَحْسَنُوا »
، أي : أوقعوا الحسنة في دار الدنيا ، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من
« حَسَنَةٌ »
، إذ لو تأخر لكان صفة لها ، ويضعف تعلقه بها نفسها ، لتقدمه عليها .
قوله :
جَنَّاتُ عَدْنٍ .
يجوز أن يكون هو المخصوص بالمدح ، فيجيء فيها ثلاثة أوجه : رفعها بالابتداء والجملة المتقدمة خبرها ، أو رفعها خبرا لمبتدأ مضمر ، أو رفعها بالابتداء والخبر محذوف ، وهو أضعفها ، وقد تقدم تحقيق ذلك ، ويجوز أن تكون
« جَنَّاتُ عَدْنٍ »
خبر مبتدأ مضمر لا على ما تقدم ، بل يكون المخصوص محذوفا ، تقديره : ولنعم دار المتقين دارهم هي جنات ، وقدره الزمخشري : ولنعم دار المتقين دار الآخرة ، ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله :
« يَدْخُلُونَها »
، ويجوز أن يكون الخبر مضمرا ، تقديره : لهم جنات عدن ، ودلّ على ذلك قوله :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ .
والعامة على رفع
« جَنَّاتُ »
على ما تقدم ، وقرأ زيد بن ثابت والسلمي « جنّات » نصبا على الاشتغال بفعل مضمر ، تقديره : يدخلون جنات عدن يدخلونها ، وهذه تقوي أن تكون
« جَنَّاتُ »
مبتدأ ،
« يَدْخُلُونَها »
الخبر في قراءة العامة ، وقرأ زيد بن علي : « ولنعمت دار » بتاء لتأنيث مرفوعة بالابتداء ، و « دار » خفض بالإضافة ، و
« جَنَّاتُ عَدْنٍ »
الخبر ، و
« يَدْخُلُونَها »
في جميع ذلك نصب على الحال ، إلّا إذا جعلناه خبرا ل
« جَنَّاتُ عَدْنٍ »
. وقرأ نافع في رواية
« يَدْخُلُونَها »
بالياء من تحت مبنيا للمفعول ، وأبو عبد الرحمن « تدخلونها » بتاء الخطاب مبنيا للفاعل . قوله :
« تَجْرِي »
يجوز أن يكون منصوبا على الحال من
« جَنَّاتُ »
، قاله ابن عطية . وأن يكون في موضع الصفة ل
« جَنَّاتُ »
. قاله الحرفي ، والوجهان مبنيان على القول في
« عَدْنٍ »
هل هو معرفة أو نكرة ، فقائل الحال لحظ الأول ، وقائل النعت لحظ الثاني . قوله :
« لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ »
الكلام في هذه الجملة كالكلام في الجملة قبلها ، والخبر إما
« لَهُمْ »
، وإما
« فِيها »
. قوله :
« كَذلِكَ »
الكاف في محل نصب على الحال من ضمير المصدر ، أو نعت لمصدر مقدر ، أو في محل رفع خبرا لمبتدأ مضمر ، أي : الأمر كذلك . و
« يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ »
مستأنف .
هامش
( 1 ) آية ، رقم ( 26 ) .