إن أريد ب « من لا يخلق » جميع ما عبد من دون اللّه ، كان ورود « من » واضحا ، لأن العاقل يغلب على غيره ، فيعبر عن الجميع ب « من » ولو جيء ب « ما » أيضا لجاز ، وإن أريد به الأصنام ، ففي إيقاع « من » عليهم أوجه :
أحدها : إجراؤهم مجرى أولي العلم في عبادتهم إياها ، واعتقاد أنها تضر وتنفع ، كقوله :
2997 -
بكيت على سرب القطا إذ سررن بي * فقلت ومثلي بالبكاء جدير
أسرب القطا هل من يعير جناحه * لعلّي إلى من هويت أطير « 1 »
فأوقع على السّرب « من » لمّا عاملها معاملة العقلاء .
الثاني : المشاكلة بينه وبين من يخلق .
الثالث : تخصيصه بمن يعلم ، والمعنى : أنه إذا حصل التباين بين من يخلق وبين من لا يخلق من أولي العلم ، وأن غير الخالق لا يستحق العبادة البتة ، فكيف يستقيم عبادة الجماد المنحط رتبة ، الساقط منزلة عن المخلوق من أولي العلم ، كقوله
أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها
« 2 » إلى آخره ، وأما من يجيز إيقاع « من » على غير العقلاء من غير شرط كقطرب ، فلا يحتاج إلى تأويل . قال الزمخشري : « فإن قلت : هو إلزام للذين عبدوا الأوثان ونحوها تشبيها باللّه تعالى ، وقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق ، فكان حق الإلزام أن يقال لهم : أفمن لا يخلق كمن يخلق ؟ قلت : حين جعلوا غير اللّه مثل اللّه لتسميتهم باسمه ، والعبادة له ، جعلوا اللّه من جنس المخلوقات وشبيها بها فأنكر عليهم ذلك بقوله :
« أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ »
.
قوله :
«
يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ .
قرأ العامة
« تُسِرُّونَ »
و
« تُعْلِنُونَ »
، بتاء الخطاب ، وأبو جعفر وشيبة بالياء من تحت .
وقرأ عاصم وحده :
« يَدْعُونَ »
. والباقون بالتاء من فوق ، وقرىء : مبنيا للمفعول ، وهنّ واضحات .
قوله :
أَمْواتٌ .
يجوز أن يكون خبرا ثانيا ، أي : وهم يخلقون وهم أموات . ويجوز أن يكون
« يَخْلُقُونَ »
و
« أَمْواتٌ »
كلاهما خبرا من باب « هذا حلو حامض » ، ذكره أبو البقاء . ويجوز أن يكون خبر المبتدأ مضمر ، أي : هم أموات . قوله :
غَيْرُ أَحْياءٍ
يجوز فيه ما تقدم ويكون تأكيدا ، وقال أبو البقاء : « ويجوز أن يكون قصد بها أنهم في الحال غير أحياء ، ليدفع به توهم أن قوله » :
« أَمْواتٌ »
فيما بعد ، إذ قال تعالى :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
قلت : وهذا لا يخرجه عن التأكيد الذي ذكره قبل ذلك . قوله :
أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
أيّان : منصوب بما بعده لا بما قبله ، لأنه استفهام ، وهو معلق ل
« يَشْعُرُونَ
فجملته في محل نصب على إسقاط الخافض ، هذا هو الظاهر ، وفي الآية قول آخر ، وهو أن
« أَيَّانَ »
ظرف لقوله :
« إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ »
. يعني أنّ الإله واحد يوم القيامة ، ولم يدع أحد الإلهية في ذلك اليوم ، بخلاف أيام الدنيا ، فإنه قد وجد فيها من ادعى ذلك ، وعلى هذا فقد تمّ الكلام على قوله
« يَشْعُرُونَ »
إلّا أنّ هذا القول مخرج ل
« أَيَّانَ »
عن موضوعها ، وهو إمّا الشرط ، وإمّا الاستفهام إلى محض الظرفية ، بمعنى وقت مضاف للجملة ،
هامش
( 1 ) البيتان قيل للعباس بن الأحنف وقيل لغيره . انظر الهمع ( 1 / 51 ) ، التصريح ( 1 / 133 ) ، الأشموني ( 1 / 151 ) ، الدرر ( 1 / 69 ) .
( 2 ) سورة الأعراف آية ، ( 195 ) .