بالعقل ، لأن مدار ما تقدم عليه ، والثالثة بالتذكر ، لأنه نتيجة ما تقدم ، وجمع آيات في الثانية دون الأولى والثالثة ، لأنّ ما نيط بها أكثر ، ولذلك ذكر معها العقل .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 14 إلى 16 ]
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 14 ) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 15 ) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ( 16 )
قوله :
مِنْهُ لَحْماً .
يجوز في
« مِنْهُ »
تعلقه ب
« لِتَأْكُلُوا »
وأن يتعلق بمحذوف ، لأنه حال من النكرة بعده ، و « من » لابتداء الغاية ، أو للتبعيض ، ولا بد من حذف مضاف ، أي : من حيوان ، و
« طَرِيًّا »
فعيل من طر ويطر وطراوة ، ك « سرو ، يسرو ، سراوة » . وقال الفراء : « يقال طري يطرى طراوة وطراء ، مثل : شقي شقاوة وشقاء ، والطّراوة ضدّ اليبوسة ، أي :
غضّا جديدا ، ويقال : طرّيت كذا ، أي : جدّدته ، ومنه : الثّياب المطرّاة ، والإطراء : مدح تجدّد ذكره ، وأمّا طرأ بالهمز فمعناه طلع . قوله :
« حِلْيَةً »
اسم لما يتحلّى به ، وأصلها الدلالة على الهيئة ، كالعمّة ، والخمرة . و
« تَلْبَسُونَها »
صفة ، و
« مِنْهُ »
يجوز فيه ما جاز في
« مِنْهُ »
قبله . وقوله :
« وَتَرَى »
جملة معترضة بين التعليلين ، وهما
« لِتَأْكُلُوا »
، و
« لِتَبْتَغُوا »
، وإنما كانت اعتراضا ، لأنه خطاب لواحد بين خطابين لجمع . قوله :
« فِيهِ »
يجوز أن يتعلق ب
« تَرَى »
، وأن يتعلق « بمواخر » ، بمعنى سواق ، وأن يتعلق بمحذوف ، لأنه حال من
« مَواخِرَ »
. أو من الضمير المستكن فيه . و
« مَواخِرَ »
. جمع ماخرة ، والمخر : الشّق ، يقال : مخرت السّفينة البحر ، أي : شقّته تمخره مخرا ومخورا ، ويقال للسفن بنات مخر وبخرة بالميم والباء ، بدل منها . وقال الفراء : « هو صوت جري الفلك » ، وقيل :
صوت شدّة هبوب الرّيح ، وقيل : نبات مخر لسحاب ينشأ صيفا ، وامتخرت الرّيح واستمخرتها ، أي : استقبلتها بأنفك . وفي الحديث : « استمخروا الرّيح واعدّوا النّبل » . يعني : في الاستنجاء ، والماخور : الموضع الذي يباع فيه الخمر .
« وَتَرَى »
هنا بصرية فقط . قوله :
« وَلِتَبْتَغُوا »
فيه ثلاثة أوجه : عطفه على
« لِتَأْكُلُوا »
وما بينهما اعتراض كما تقدم ، وهذا هو الظاهر .
ثانيها : أنه عطف على علة محذوفة ، تقديره : لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا ، ذكره ابن الأنباري .
ثالثها : أنه متعلق بفعل محذوف ، أي : فعل ذلك لتبتغوا ، وفيهما تكلف لا حاجة إليه .
قوله :
. . . أَنْ تَمِيدَ . . . .
أي : كراهة أن تميد ، أو لئلا تميد . قوله :
وَأَنْهاراً
عطف على
« رَواسِيَ »
لأن الإلقاء بمعنى الخلق .
وادعى ابن عطية : أنه منصوب بفعل مضمر ، أي : وجعل فيها أنهارا . وليس كما ذكره ، وقدّره أبو البقاء : وشق فيها أنهارا ، وهو مناسب .
« وَسُبُلًا »
، أي : وذلل ، أو وجعل فيها طرقا .
وَعَلاماتٍ .