تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
وفيه نظر ، لأن مقابله وهو
« قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ »
متعد ( وقد أنكر المبرد أيضا مقالة الكسائي والفراء ، وقال : « لا يعرف « هدى » بمعنى اهتدى » . قلت : الكسائي والفراء أثبت منه بما نقلناه ، ولكن إنما ضعف ذلك هنا لما ذكرته لك في مقابلته بالمتعدي ، وقد تقدم أن التعدية ب
« إِلَى »
أو ب « اللام » من باب التفنن في البلاغة ، ولذلك قال الزمخشري : ويقال : « هداه » للحق وإلى الحق فجمع بين اللغتين . وقال غيره : إنما عدى المسند إلى اللّه ب « اللام » لأنها أدل في بابها على المعنى المراد من
« إِلَى »
، إذ أصلها لإفادة الملك ، فكأن الهداية مملوكة للّه تعالى وفيه نظر ، لأن المراد بقوله :
« أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ »
هو اللّه تعالى مع الفعل المسند إليه ب
« إِلَى »
. قوله :
« أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ »
خبر لقوله :
« أَ فَمَنْ يَهْدِي »
و
« أَنْ »
في موضع نصب أو جر ، بعد حذف الخافض ، والمفصل عليه محذوف وتقدير هذا كله : أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ممن لا يهدي ، ذكر ذلك مكي بن أبي طالب فجعل
« أَحَقُّ »
هنا على بابها من كونها للتفضل . وقد منع الشيخ كونها هنا للتفضيل فقال : « وأحقّ » ليست للتفصيل بل المعنى حقيق بأن يتبع . وجوّز مكي أيضا في المسألة وجهين آخرين : أحدهما : أن يكون مبتدأ أيضا وأن يكون في محل رفع بدلا منها بدل اشتمال و
« أَحَقُّ »
خبر على ما كان . والثاني : أن يكون
« أَنْ يُتَّبَعَ »
في محل رفع بالابتداء و
« أَحَقُّ »
خبر مقدم عليه ، وهذه الجملة خبر ل « من يهدي » ، فتحصّل في المسألة ثلاثة أوجه . قوله :
« أَمَّنْ لا يَهِدِّي »
نسق على
« أَ فَمَنْ »
وجاء هنا على الأفصح من حيث أنه قد فصل بين « أم » وبين ما عطفت عليه بالخبر كقولك : « أزيد قائم أم عمرو » ومثله :
أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ ،
وهذا بخلاف قوله تعالى :
أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ،
وسيأتي هذا في موضعه ، وقرأ أبو بكر عن عاصم بكسر ياء « يهدّي ، وهائه » وحفص بكسر الهاء دون الياء ، فأما كسر الهاء فلالتقاء الساكنين ، وذلك أن أصله : يهدى ، فلما قصد إدغامه سكنت الياء والهاء قبلها ساكنة فكسرت الهاء لالتقاء الساكنين ، وأبو بكر اتبع الياء للهاء في الكسر ، وقال أبو حاتم : - في قراءة حفص - : « هي لغة سفلى مضر » ، ونقل عن سيبويه « 1 » أنه لا يجيز
« يَهْدِي »
ويجيز « تهدى ونهدي واهدى » . قال : لأنّ الكسرة تثقل في الياء . قلت : يعني أنه يجيز كسر حرف المضارعة من هذا النحو ، نحو : تهدى ونهدى وإهدي ، إذ لا ثقل في ذلك ولم يجزه في الياء لثقل الحركة المجانسة لها عليها ، وهذا فيه غضّ من قراءة أبي بكر ، لكنه قد تواتر قراءة فهو مقبول ، وقرأ أبو عمرو وقالون عن نافع بفتح الياء واختلاس فتحة الهاء وتشديد الدال ، وذلك أنهما لمّا نقلا الفتحة للإدغام اختلسا الفتحة تنبيها على أنّ الهاء ليس أصلها الحركة ، بل السكون . وقرأ ابن كثير وابن عامر وورش بإكمال فتحة الهاء على أصل النقل ، وقد روي عن أبي عمرو وقالون اختلاس كسرة الهاء على أصل التقاء الساكنين والاختلاس للتنبيه ، على أنّ أصل الهاء السكون كما تقدم ، وقرأ أهل المدينة خلا ورشا بفتح الياء وسكون الهاء وتشديد الدال ، وهذه القراءة استشكلها جماعة من حيث الجمع بين الساكنين ، قال المبرد : « من رام هذا لا بد أن يحرك حركة خفيفة » . وقال أبو جعفر النحاس : « لا يقدر أحد أن ينطق به » . قلت : وقد قال في التيسير : « والنصّ عن قالون بالإسكان » . قلت : ولا بعد في ذلك ، فقد تقدم أنّ بعض القراء يقرأ بهما ، ولا يعتدوا بالجمع بين الساكنين وتقدمت لك قراءات كثيرة في قوله :
« يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ »
، وسيأتي مثل هذا في
« يَخِصِّمُونَ »
وقرأ الأخوان : « يهدى » بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيف الدال من : هدى يهدى ، وفيه قولان :
هامش
( 1 ) أنظر الكتاب ( 4 / 110 ) .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 31 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة