تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
والثالث : أنه معترض بين
« تَصْدِيقَ »
وبين
« مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ »
. قال الزمخشري : « فإن » قلت : بم اتصل قوله :
« لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ »
؟ قلت : هو داخل في حيز الاستدراك كأنه قيل : ولكن كان تصديقا « وتفصيلا منتفيا عنه الريب كائنا من رب العالمين ، ويجوز أن يراد ولكن كان تصديقا » من رب العالمين وتفصيلا منه لا ريب في ذلك ، فيكون
« مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ »
متعلقا ب
« تَصْدِيقَ
» و
« تَفْصِيلَ »
، ويكون
« لا رَيْبَ فِيهِ »
اعتراضا كما تقول : « زيد لا شكّ فيه كريم » . قوله :
مِنْ رَبِّ
يجوز فيه أوجه : أحدها : أن يكون متعلقا ب
« تَصْدِيقَ »
أو ب
« تَفْصِيلَ »
وتكون المسألة من باب التنازع أو يصح أن يتعلق بكل من العاملين من جهة المعنى ، وهذا هو الذي أراد الزمخشري بقوله : فيكون
« مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ »
متعلقا ب
« تَصْدِيقَ
و
تَفْصِيلَ »
. يعني : أنه متعلق بكل منهما من حيث المعنى ، وأما من حيث الإعراب فلا يتعلق إلا بأحدهما ، وأما الآخر فيعمل في ضميره كما تقدم تحريره غير مرة ، والإعمال هنا حينئذ إنما هو للثاني بدليل الحذف من الأول . والوجه الثاني : أن
« مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ »
حال ثانية . والثالث : أنه متعلق بذلك الفعل المقدّر ، أي : أنزل للتصديق من رب العالمين . قوله :
أَمْ يَقُولُونَ .
في
« أَمْ »
هذه وجهان : أحدهما : أنها منقطعة فتقدر ب « بل والهمزة » عند الجمهور « 1 » وسيبويه وأتباعه والتقدير : بل يقولون ، انتقل عن الكلام الأول وأخذ في إنكار قول آخر . والثاني : أنها متصلة ولا بد حينئذ من حذف جملة ليصح التعادل والتقدير : أتقرون به أم تقولون افتراه . وقال بعضهم :
« أَمْ »
هذه بمنزلة الهمزة فقط وعبّر بعضهم عن ذلك فقال : الميم زائدة على الهمزة ، وهذا قول ساقط ، إذ زيادة الميم قليلة جدا لا سيما هنا ، وزعم أبو عبيدة : « أنها بمعنى الواو والتقدير : ويقولون : افتراه » . قوله :
قُلْ فَأْتُوا
جواب شرط مقدر ، قال الزمخشري : « قل إن كان الأمر كما تزعمون فأتوا أنتم على وجه الافتراء بسورة مثله » فأنتم مثلي في العربية والفصاحة ، والأبلغية . وقرأ عمرو بن فائد
« بِسُورَةٍ مِثْلِهِ »
بإضافة « سورة » إلى
« مِثْلِهِ »
على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه ، والتقدير : بسورة كتاب مثله أو بسورة كلام مثله ، ويجوز أن يكون التقدير : فأتوا بسورة بشر مثله ، فالضمير يجوز أن يعود في هذه القراءة على القرآن ، وأن يعود على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأما في قراءة العامة فالضمير للقرآن فقط . قوله :
وَلَمَّا يَأْتِهِمْ .
جملة حالية من الموصول أي : سارعوا إلى تكذيبه حال عدم إتيان التأويل . قال الزمخشري : « فإن » قلت : ما معنى التوقع في قوله تعالى :
وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ؟
قلت : معناه أنهم كذبوا على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل . ثم قال أيضا : « ويجوز أن يكون المعنى ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب أي : عاقبته ، حتى يتبين لهم أكذب هو أم صدق » . انتهى . وفي وضعه
« لَمْ »
موضع
« لَمَّا »
نظر ، لما عرفت ما بينهما من الفرق ، ونفيت جملة
هامش
( 1 ) أنظر الكتاب ( 3 / 172 ) وما بعدها .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 34 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة