وعبادته . قوله :
« مِنْ شَيْءٍ »
فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن
« مِنْ »
زائدة في المفعول به ، والتقدير : ما فرطنا شيئا وتضمن
« فَرَّطْنا »
معنى : « تركنا وأغفلنا » ، والمعنى : ما أغفلنا ولا تركنا شيئا . ثم اختلفوا في
« الْكِتابِ »
ما المراد به ؟ فقيل : اللوح المحفوظ ، وعلى هذا فالعموم ظاهر ، لأن اللّه تعالى أثبت ما كان ، وما يكون فيه . وقيل : القرآن ، وعلى هذا فهل العموم باق ؟ منهم من قال : نعم ، وأن جميع الأشياء مثبتة في القرآن إمّا بالصريح ، وإمّا بالإيماء . ومنهم من قال : إنّه يراد به الخصوص ، والمعنى : من شيء يحتاج إليه المكلفون .
والثاني :
« مِنْ »
تبعيضية ، أي : ما تركنا ولا أغفلنا في الكتاب بعض شيء يحتاج إليه المكلف .
والثالث : أن
« مِنْ »
شيء في محل نصب على المصدر ، و
« مِنْ »
زائدة فيه أيضا ، ولم يجز أبو البقاء غيره ، فإنّه قال
« مِنْ »
زائدة ، و
« شَيْءٍ »
هنا واقع موقع المصدر ، أي تفريطا ، وعلى هذا التأويل لا يبقى في الآية حجة لمن ظن بأن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء صريحا ، ونظير ذلك :
لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً
« 1 » . ولا يجوز أن يكون مفعولا به ، لأن
« فَرَّطْنا »
لا يتعدى بنفسه ، بل بحرف الجر ، وقد عديت إلى
« الْكِتابِ »
بفي ، فلا تتعدى بحرف آخر ، ولا يصح أن يكون المعنى : ما تركنا في الكتاب من شيء ، لأن المعنى على خلافه ، فبان أن التأويل ما ذكرنا انتهى » ، قوله : يحتوي على ذكر كل شيء صريحا ، لم يقل به أحد ، لأنه مكابرة في الضروريات . وقرأ الأعرج وعلقمة : « فرطنا » مخففا . فقيل : هما بمعنى . وعن النقاش :
« فَرَّطْنا »
: أخرنا ، كما قالوا : فرط اللّه عنك المرض ، أي : أزاله .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 39 ]
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 )
قوله :
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا .
مبتدأ وما بعده الخبر . ويجوز أن يكون
« صُمٌّ »
خبر مبتدأ محذوف ، والجملة خبر الأول ، والتقدير : والذين كذبوا بعضهم صمّ ، وبعضهم بكم . وقال أبو البقاء :
« صُمٌّ »
و
« بُكْمٌ »
الخبر ، مثل حلو حامض ، والواو لا تمنع من ذلك » . قلت : هذا الذي قاله لا يجوز من وجهين :
أحدهما : أن ذلك إنما يكون إذا كان الخبران في معنى خبر واحد ، لأنهما في معنى مزّ ، وهو أعسر يسر بمعنى : أضبط . وأما هذان الخبران فكل منهما مستقل بالفائدة .
والثاني : أن الواو لا تجوز في مثل هذا إلّا عند أبي عليّ الفارسي . وهو وجه ضعيف . قوله :
فِي الظُّلُماتِ
فيه أوجه :
أحدها : أن يكون خبرا ثانيا لقوله :
« وَالَّذِينَ كَذَّبُوا »
، ويكون ذلك عبارة عن العمى ، ويصير نظير الآية
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 120 ) .