يعدّي ، وكل فعل يعمل في الفاعل من غير تعدّ ، يعني بقوله : لم يصح أن يكون فاعلا ، لم يصح أن يكون المجرور بذلك الحرف ، وإلّا فالحرف لا يكون فاعلا البتة .
قوله :
وَإِنْ كانَ كَبُرَ .
هذا شرط جوابه الفاء الداخلة على الشرط الثاني ، وجواب الثاني محذوف ، تقديره : فإن استطعت أن تبتغي فافعل ، ثم جعل الشرط الثاني وجوابه جوابا للشرط الأول ، وقد تقدم مثل ذلك في قوله :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ، فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ
« 1 » ، وتقدم تحرير القول فيه إلّا أن جواب الثاني هناك مظهر . و
« كانَ »
في اسمها وجهان :
أحدهما : أنه
« إِعْراضُهُمْ »
، و
« كَبُرَ »
جملة فعلية في محل نصب خبرا مقدما على الاسم ، وهي مسألة خلاف « 2 » : هل يجوز تقديم خبر
« كانَ »
على اسمها إذا كان فعلا رافعا لضمير مستتر أم لا ؟ وأما إذا كان خبرا للمبتدأ فلا يجوز البتة لئلا يلتبس بباب الفاعل ، واللبس هنا مأمون ، ووجه المنع استصحاب الأصل . و
« كَبُرَ »
إذا قيل : إنّه خبر
« كانَ »
فهل يحتاج إلى إضمار « قد » أم لا ؟ والظاهر أنه لا يحتاج ، لأنه كثر وقوع الماضي خبرا لها من غير « قد » نظما ونثرا ، وبعضهم يخص ذلك ب
« كانَ »
ويمنعه في غيرها من أخواتها إلّا بقد ظاهرة أو مضمرة ، ومن مجيء ذلك في خبر أخواتها قول النابغة :
1915 - أمست خلاء ، وأمسى أهلها احتملوا * أخنى عليها الّذي أخنى على لبد « 3 »
والثاني : أن يكون اسمها ضمير الأمر والشأن ، والجملة الفعلية مفسرة له ، في محل نصب على الخبر ، ف
« إِعْراضُهُمْ »
مرفوع ب
« كَبُرَ »
، وفي الوجه الأول ب
« كانَ »
، ولا ضمير في
« كَبُرَ »
على الثاني ، وفيه ضمير على الأول ، ومثل ذلك في جواز هذين الوجهين قوله تعالى :
وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ
« 4 » ،
وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا
« 5 » ، ف
« فِرْعَوْنُ »
يحتمل أن يكون اسما ، وأن يكون فاعلا ، وكذلك
« سَفِيهُنا »
، ومثله أيضا قول امرئ القيس :
1916 - وإن تك قد ساءتك منّي خليقة * فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل « 6 »
ف « خليقة » يحتمل الأمرين ، وإظهار « قد » هنا يرجح قول من يشترطها . وهل يجوز في مثل هذا التركيب التنازع ؟ وذلك أن كلا من « كان » وما بعدها من الأفعال المذكورة في هذه الأمثلة يطلب المرفوع من جهة المعنى ، وشروط الإعمال موجودة ، وكنت قديما سألت الشيخ عن ذلك فأجاب بالمنع محتجا بأن شرط الإعمال : ألّا يكون أحد المتنازعين مفتقرا إلى الآخر ، وألّا يكون من تمام معناه ، و
« كانَ »
مفتقرة إلى خبرها ، وهو من تمام معناها ، وهذا الذي ذكره من المنع ، وترجيحه ظاهر ، إلّا أن النحويين لم يذكروه في شروط الإعمال . وقوله :
وَإِنْ كانَ كَبُرَ
مؤول بالاستقبال ، وهو التبين والظهور ، فهو كقوله :
إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ
« 7 » ، أي : إن تبيّن وظهر ، وإلّا فهذه الأفعال قد وقعت وانقضت ، فكيف تقع شرطا ؟ وقد تقدم « 8 » أن المبرد « 9 » يبقي
« كانَ »
خاصة على مضيها في
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 38 ) .
( 2 ) انظر همع الهوامع ( 1 / 118 ) .
( 3 ) انظر ديوانه ( 31 ) ، شرح القصائد للتبريزي ( 516 ) ، الهمع ( 1 / 114 ) ، الخزانة ( 4 / 5 ) ، الأشموني ( 1 / 230 ) ، الدرّر ( 1 / 84 ) .
( 4 ) سورة الأعراف ، آية ( 137 ) .
( 5 ) سورة الجن ، آية ( 4 ) .
( 6 ) تقدم .
( 7 ) سورة يوسف ، آية ( 26 ) .
( 8 ) انظر آية ( 23 ) من سورة البقرة .
( 9 ) انظر المقتضب 3 / 97 .