المعنى مع أدوات الشرط ، وليس بشيء . وأما
« فَإِنِ اسْتَطَعْتَ »
فهو مستقبل معنى ، لأنه لم يقع ، بخلاف كونه :
« كبر عليه إعراضهم » ، و « قدّ القميص » . و
« أَنْ تَبْتَغِيَ »
مفعول الاستطاعة ، و
« نَفَقاً »
مفعول الابتغاء . والنّفق :
السرب النافذ في الأرض ، وأصله في جحرة اليربوع ، ومنه : النافقاء ، والقاصعاء ، وذلك أن اليربوع يحفر في الأرض سربا ، ويجعل له بابين ، وقيل : ثلاثة : النافقاء ، والقاصعاء ، والدّامّاء ، ثم يدق بالحفر ما يقارب وجه الأرض ، فإذا نابه أمر دفع تلك القشرة الرقيقة وخرج ، وقد تقدم لك استيفاء هذه المادة عند ذكر
« يُنْفِقُونَ »
« 1 » و
« الْمُنافِقِينَ » *
. وقوله :
فِي الْأَرْضِ
ظاهره أنه متعلق بالفعل قبله ، ويجوز أن يكون صفة ل
« نَفَقاً »
، فيتعلق بمحذوف ، وهي صفة لمجرد التوكيد ، إذ النفق لا يكون إلا في الأرض . وجوّز أبو البقاء مع هذين الوجهين أن يكون حالا من فاعل
« تَبْتَغِيَ »
أي : وأنت في الأرض . قال : وكذلك :
فِي السَّماءِ .
يعني من جواز الأوجه الثلاثة ، وهذا الوجه الثالث ينبغي ألا يجوز لخلوه عن الفائدة . و « السلم » قيل : المصعد ، وقيل : الدرج ، وقيل : السبب ، تقول العرب : اتخذني سلّما لحاجتك ، أي : سببا ، قال كعب بن زهير :
1917 - ولا لكما منجى من الأرض فابغيا * بها نفقا أو في السّموات سلّما « 2 »
وهو مشتق من السلامة ، قالوا : « لأنه يسلم به إلى المصعد » . و « السّلّم » مذكر ، وحكى الفراء تأنيثه . قال بعضهم : ليس ذلك بالوضع ، بل لأنه بمعنى المرقاة ، كما أنث بعضهم « الصوت » في قوله :
1918 - . . . * سائل بني أسد : ما هذه الصّوت ؟ « 3 »
لما كان في معنى الصرخة .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 36 إلى 38 ]
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 ) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 )
قوله :
وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ .
فيه ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنها جملة من مبتدأ وخبر ، سيقت للإخبار بقدرته ، وأن من قدر على بعث الموتى ، يقدر على إحياء قلوب الكفرة بالإيمان ، فلا تتأسف على من فكر .
والثاني : أن
« الْمَوْتى »
منصوب بفعل مضمر ، يفسّره الظاهر بعده ، ورجح هذا الوجه على الرفع بالابتداء ، لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها ، فهو نظير :
وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
« 4 » ، بعد قوله :
« يُدْخِلُ »
.
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 3 ) .
( 2 ) انظر البيت في البحر 4 / 114 .
( 3 ) تقدم .
( 4 ) سورة الإنسان ، آية ( 31 ) .