تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
« قَدْ »
هنا حرف تحقيق . وقال الزمخشري ، والتّبريزي :
« قَدْ نَعْلَمُ »
بمعنى « ربّما » التي تجيء لزيادة الفعل وكثرته ، نحو قوله :
1911 - . . . * قد يهلك المال نائله « 1 »
قال الشيخ « 2 » : « وهذا القول غير مشهور للنحاة ، وإن قال به بعضهم ، مستدلا بقوله « 3 » :
1912 - قد أترك القرن مصفرّا أنامله * كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد « 4 »
وقول الآخر :
1913 - أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله * ولكنّه قد يهلك المال نائله « 5 »
والذي يظهر أن التكثير لا يفهم من
« قَدْ »
، إنما فهم من سياق الكلام ، إذ المدح بقتل قرن واحد غير طائل ، وعلى تقدير ذلك فهو متعذر في الآية ، لأن علمه تعالى لا يقبل التكثير . قلت : قد يجاب عنه بأن التكثير في متعلقات العلم ، لا في العلم . ثم قال وقوله « 6 » : بمعنى « ربّما » التي تجيء لزيادة الفعل وكثرته . المشهور أن « ربّ » للتقليل لا للتكثير ، وزيادة « ما » عليها لا يخرجها عن ذلك ، بل هي مهيئة لدخولها على الفعل ، و « ما » المهيئة لا تزيل الكلمة عن معناها الأصلي ، كما لا تزيل « لعل » عن الترجي ، ولا « كأن » عن التشبيه ، ولا « ليت » عن التمني ، وقال ابن مالك :
« قَدْ »
ك « ربّما » في التقليل والصرف إلى معنى المضي ، وتكون حينئذ للتحقيق والتوكيد ، نحو :
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ
« 7 » .
وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ
« 8 » ، وقوله :
1914 - وقد تدرك الإنسان رحمة ربّه * ولو كان تحت الأرض سبعين واديا « 9 »
وقد تخلو من التقليل ، وهي صارفة لمعنى المضي ، نحو قوله :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ
« 10 » وقال مكي :
« قَدْ »
هنا وشبهه تأتي لتأكيد الشيء وإيجابه وتصديقه ، و
« نَعْلَمُ »
بمعنى : « علمنا » . وقد تقدم الكلام في هذا الحرف ، وأنها مترددة بين الحرفية والإسمية . وقال الشيخ « 11 » هنا :
« قَدْ »
حرف توقع ، إذا دخلت على مستقبل الزمان كان التوقع من المتكلم ، كقولك : قد ينزل المطر شهر كذا ، وإذا كان ماضيا ، أو فعل حال بمعنى المضي ، كان التوقع عند السامع ، وأما المتكلم فهو موجب ما أخبر به ، وعبر هنا بالمضارع ، إذ المراد الاتصاف بالعلم واستمراره ، ولم يلحظ فيه الزمان كقولهم : « هو يعطي ويمنع » . و
« إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ »
ساد مسدّ المفعولين ، فإنّها معلقة عن العلم ، وكسرت لدخول اللام في خبرها ، تقدم الكلام في
« لَيَحْزُنُكَ »
، وأنه قرىء بفتح الياء وضمها من : حزنه ، وأحزنه في آل عمران « 12 » . و
« الَّذِي
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر البحر ( 4 / 110 ) . ( 3 ) قال سيبويه : وتكون ( قد ) بمنزلة « ربما » وذكر البيت انظر الكتاب ( 4 / 224 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) انظر البحر ( 4 / 111 ) . ( 7 ) سورة الأنعام ، آية ( 33 ) . ( 8 ) سورة الصف ، آية ( 5 ) . ( 9 ) البيت لأمية بن أبي الصلت انظر ديوانه ( 70 ) ، وروايته فيه :ألا لن تفوت المرء رحمة ربه * ولو كان تحت الأرض سبعين واديا( 10 ) سورة البقرة ، آية ( 144 ) . ( 11 ) انظر آية ( 65 ) من سورة البقرة . ( 12 ) انظر آية ( 176 ) من سورة آل عمران .