قوله :
لا تُصِيبَنَّ .
في
« لا »
وجهان :
أحدهما : أنها ناهية ، وعلى هذا فالجملة لا يجوز أن تكون صفة ل « فاتنة » ، لأن الجملة الطلبية لا تقع صفة .
ويجوز أن تكون معمولة لقول ، ذلك القول هو الصفة ، أي : فتنة مقولا فيها لا تصيبنّ . والنهي في الصورة للمصيبة ، وفي المعنى للمخاطبين ، وهو في المعنى كقولهم : « لا أرينّك ههنا » ، أي : لا تعطوا أسبابا يصبكم بسببها مصيبة لا تخص ظالمكم ، ونون التوكيد على هذا في محلها . ونظير إضمار القول قوله :
2417 - . . . * جاءوا بمذق هل رأيت الذّئب قط « 1 »
أي : مقول فيه ما رأيت » .
والثاني : أن
« لا »
نافية ، والجملة صفة ل
« فِتْنَةً »
، وهذا واضح من هذه الجهة ، إلا أنه يشكل عليه توكيد المضارع في غير قسم ، ولا طلب ، ولا شرط ، وفيه خلاف : هل يجري النفي ب
« لا »
مجرى النهي ؟ من الناس من يقول نعم ، واستشهد بقوله :
2420 - فلا الجارة الدّنيا بها تلحينّها * ولا الضّيف فيها إن أناح محوّل « 2 »
وقال آخر :
2421 - فلا ذا نعيم يتركن لنعيمه * وإن قال فرّطني وخذ رشوة أبى
ولا ذا بئيس يتركن لبؤوسه * فينفعه شكو إليه إن اشتكى « 3 »
فإذا جاز أن يؤكد المنفي ب « لا » مع انفصاله ، فلأن يؤكد المنفي غير المفصول بطريق الأولى ، إلّا أن الجمهور يحملون ذلك على الضرورة . وزعم الفراء أن
« لا تُصِيبَنَّ »
جواب للأمر ، نحو : « أنزل عن الدابّة لا تطرحنّك » ، أي : إن تنزل عنها لا تطرحنّك ، ومنه قوله :
لا يَحْطِمَنَّكُمْ ،
أي : إن تدخلوا لا يحطمنّكم » فدخلت النون لما فيه من معنى الجزاء .
قال الشيخ « 4 » : « وقوله :
لا يَحْطِمَنَّكُمْ »
وهذا المثال ليس نظير
« فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ »
، لأنه ينتظم من الآية والمثال شرط وجزاء ، كما قدّر ، ولا ينتظم ذلك هنا ، ألا ترى أنه لا يصح تقدير : إن تتقوا فتنة لا تصيب الذين ظلموا ، لأنه يترتب على الشرط غير مقتضاه من جهة المعنى » . قال الزمخشري :
« لا تُصِيبَنَّ »
لا يخلو إمّا أن يكون جوابا للأمر ، أو نهيا بعد أمر ، أو صفة ل
« فِتْنَةً »
. فإذا كانت جوابا فالمعنى :
إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة ، بل تعمكم » . قال الشيخ : « وأخذ الزمخشري قول الفراء
هامش
( 1 ) عجز بيت للعجاج وصدره :حتى إذا جنّ الظلام واختلط * . . .انظر المغني ( 1 / 246 ) ، المقرب ( 1 / 220 ) ، أمالي الزجاجي ( 237 ) وسيأتي فريد بيان لهذا الشاهد .
( 2 ) البيت للنمر بن تولب انظر المغني ( 1 / 247 ) ، الأشموني ( 3 / 218 ) .
( 3 ) البيتان لحسان السعدي انظرهما في النوادر ( 358 ) ، البحر المحيط ( 4 / 483 ) .
( 4 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 484 ) .