يجوز أن يتعلق قوله :
« فِي أُمَمٍ »
، وقوله :
« فِي النَّارِ »
كلاهما ب
« ادْخُلُوا »
، فيجيء الاعتراض المشهور ، وهو كيف يتعلق حرفا جرّ متحدا اللفظ والمعنى بعامل واحد ؟ فيجاب بأحد وجهين ، إمّا أن
« فِي »
الأولى ليست للظرفية ، بل للمعية ، كأنه قيل : ادخلوا في أمم ، أي : مصاحبين لهم في الدخول ، وقد تأتي
« فِي »
بمعنى « مع » ، كقوله تعالى :
وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ
« 1 » ، وقول الشاعر :
2207 - شموس ودود في حياء وعفّة * رخيمة رجع الصّوت طيّبة النّشر
وأما بأن
« فِي النَّارِ »
بدل من قوله :
« فِي أُمَمٍ »
وهو بدل اشتمال ، كقوله تعالى :
أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ
« 2 » ، فإنّ
« النَّارِ »
بدل من « الأخدود » . كذلك
« فِي النَّارِ »
بدل من
« أُمَمٍ »
بإعادة العامل ، بدل اشتمال ، وتكون الظرفية في
« فِي »
الأولى مجازا ، لأن الأمم ليسوا ظروفا لهم حقيقة ، وإنما المعنى : ادخلوا في جملة أمم وغمارهم . ويجوز أن يتعلق
« فِي أُمَمٍ »
بمحذوف على أنه حال ، أي : كائنين في جملة أمم ، و
« فِي النَّارِ »
متعلّق
« خَلَتْ »
، أي : سبقتكم في النار . ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل
« أُمَمٍ »
، فتكون
« أُمَمٍ »
قد وصفت بثلاثة أوصاف :
الأول : الجملة الفعلية ، وهي قوله :
« قَدْ خَلَتْ »
.
والثاني : الجار والمجرور ، وهو قوله :
« مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ »
.
الثالث : قوله :
« فِي النَّارِ »
، والتقدير : في أمم خالية من قبلكم كائنة من الجنّ والإنس مستقرة في النار .
ويجوز أن يتعلق
« فِي النَّارِ »
بمحذوف أيضا لا على الوجه المذكور ، بل على كونه حالا من
« أُمَمٍ »
، وجاز ذلك وإن كانت نكرة ، لتخصيصها بالوصفين المشار إليهما . ويجوز أن يكون حالا من الضمير في
« خَلَتْ »
، إذ هو ضمير الأمم . وقدمت
« الْجِنِّ »
، لأنهم الأصل في الإغواء . وقوله :
« كُلَّما دَخَلَتْ »
قد تقدم نظيرها . وهذه الجملة يحتمل أن تكون صفة ل
« أُمَمٍ »
أيضا ، والعائد محذوف ، أي : كلّما دخلت أمة منهم ، أي : من الأمم المتقدمة . وقوله :
« حَتَّى »
هذه غاية لما قبلها ، والمعنى : أنّهم يدخلون فوجا فوجا لاعنا بعضهم لبعض إلى انتهاء تداركهم فيها .
والجمهور قرأوا
« إِذَا ادَّارَكُوا »
بوصل الألف وتشديد الدال ، والأصل تداركوا ، فلما أريد إدغامه فعل به ما فعل ب « ادّارأتم » ، وقد تقدم تحقيق تصريفه في البقرة . قال مكي : « ولا يستطاع اللفظ بوزنها مع ألف الوصل ، لأنك ترد الزائد أصليا ، فتقول : « افّاعلوا » فتصير « تاء » تفاعل « فاء » الفعل ، لإدغامها في « فاء » الفعل ، وذلك لا يجوز ، فإن وزنتها على الأصل ، فقلت : « تفاعلوا جاز » . قلت : هذا الذي ذكر من كونه لا يمكن وزنه إلا بالأصل ، وهو تفاعلوا ممنوع . قوله : لأنك ترد الزائد أصليا . قلنا : لا يلزم ذلك ، لأنا نزنه بلفظه مع همزة الوصل ، ونأتي بتاء التفاعل بلفظها ، فتقول : وزن
« ادَّارَكُوا »
: اتفاعلوا ، فنلفظ بالتاء اعتبارا بأصلها ، لا بما صارت إليه حال الإدغام .
وهذه المسألة نصّوا على نظيرها ، وهو أن تاء الافتعال إذا أبدلت إلى حرف مجانس لما بعدها ، كما تبدل طاء أو دالا في نحو : اصطبر ، واضطرب ، وازدجر ، واذّكر إذا وزن ما هي فيه قالوا : نلفظ في الوزن بأصل تاء الافتعال ، ولا نلفظ بما صارت إليه من طاء ، أو دال ، فنقول : وزن اصطبر : افتعل ، لا افطعل ، ووزنه ازدجر : افتعل ، لا افدعل ، فلذلك نقول - هنا - وزن ادّاركوا : اتفاعلوا ، لا افّاعلوا ، فلا فرق بين تاء الافتعال والتفاعل في ذلك . وقرأ ابن مسعود
هامش
( 1 ) سورة الأحقاف ، آية ( 16 ) .
( 2 ) سورة البروج ، الآيتان ( 4 - 5 ) .