أن يجعل عشرة أمثاله ، كقوله تعالى :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
« 1 » ، فأقل الضّعف محصور ، وهو المثل ، وأكثره غير محصور . « ومثل هذه المقالة قال الزجاج أيضا ، فإنه قال : « أي : عذابا مضاعفا ، لأن الضّعف في كلام العرب على ضربين ، أحدهما : المثل . والآخر : أن يكون في معنى تضعيف الشيء » . أي : زيادته إلى ما لا يتناهى ، وقد تقدم طرف من هذا في البقرة « 2 » . و
« ضِعْفاً »
صفة ل
« عَذاباً »
و
« مِنَ النَّارِ »
يجوز أن يكون صفة ل
« عَذاباً »
، وأن يكون صفة ل
« ضِعْفاً »
، ويجوز أن يكون بدلا من
« عَذاباً »
. وقوله :
« لِكُلٍّ »
أي : لكلّ فريق من الأخرى والأولى . وقوله :
« وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ »
قراءة العامة بناء الخطاب ، إمّا خطابا للسائلين ، وإمّا خطابا لأهل الدّنيا ، أي : ولكن لا تعلمون ما أعدّ من العذاب لكلّ فريق . وقرأ أبو بكر عن عاصم بالغيبة ، وهي تحتمل أن يكون الضمير عائدا على الطائفة السائلة تضعيف العذاب ، أو على الطائفتين ، أي : لا يعلمون قدر ما أعدّ لهم من العذاب .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 39 إلى 40 ]
وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 39 ) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ( 40 )
قوله :
فَما .
هذه الفاء عاطفة هذه الجملة المنفية على قول اللّه تعالى للسفلة :
« لِكُلٍّ ضِعْفٌ »
فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا ، وأنا متساوون في استحقاق الضّعف فذوقوا .
قال الشيخ « 3 » - بعد أن حكى بعض كلام الزمخشري - : « والذي يظهر أن المعنى انتفاء كون فضل عليهم من السفلة في الدنيا بسبب اتباعهم إيّاهم وموافقتهم لهم في الكفر ، أي : اتباعكم إيانا وعدم اتباعكم سواء ، لأنكم كنتم في الدنيا عندنا أقل من أن يكون لكم علينا فضل باتباعكم ، بل كفرتم اختيارا ، لا أنا حملناكم على الكفر إجبارا ، وأن قوله :
« فَما كانَ »
جملة معطوفة على جملة محذوفة بعد القول ، دلّ عليها ما سبق من الكلام ، والتقدير : قالت أولاهم لأخراهم : ما دعاؤكم اللّه أنا أضللناكم وسؤالكم ما سألتم ؟ فما كان لكم علينا من فضل بضلالكم ، وأن قوله :
« فَذُوقُوا »
من كلام الأولى خطابا للأخرى على سبيل التشفي ، وأن ذوق العذاب هو بسبب ما كسبتم ، لا بأنا أضللناكم . وقيل :
« فَذُوقُوا »
من خطاب اللّه لهم » . و
« بِما »
الباء سببية ، و « ما » مصدرية ، أو بمعنى « الذي » ، والعائد محذوف ، أي : تكسبونه .
وقرأ أبو عمرو :
لا تفتح .
بضم التاء من فوق والتخفيف ، والأخوان بالياء من تحت والتخفيف أيضا ، والباقون بالتأنيث والتشديد .
فالتأنيث والتذكير باعتبار الجمع والجماعة ، والتخفيف والتضعيف باعتبار التكثير وعدمه . والتضعيف هنا أوضح لكثرة
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 160 ) .
( 2 ) آية ( 245 ) .
( 3 ) انظر البحر ( 4 / 296 ) .