قوله :
فَما كانَ دَعْواهُمْ .
جوّزوا في
« دَعْواهُمْ »
وجهين :
أحدهما : أن يكون اسما ل
« كانَ »
، و
« إِلَّا أَنْ قالُوا »
خبرها ، وفيه خدش ، من حيث إنّ غير الأعرف جعل اسما ، والأعرف جعل خبرا ، وقد قررت ذلك في أول الأنعام عند قوله :
« ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ »
« 1 » .
والثاني : أن يكون
« دَعْواهُمْ »
خبرا مقدما . و
« إِلَّا أَنْ قالُوا »
اسما مؤخرا ، ذكر ذلك الزمخشري ، ومكي بن أبي طالب ، وسبقهما إلى ذلك الفراء ، والزجاج ، واختاره الزجاج ، ولكن ذلك يشكل من قاعدة أخرى ذكرها النحاة ، وهو أن الاسم والخبر في هذا الباب متى خفي إعرابهما وجب تقديم الاسم وتأخير الخبر ، نحو : كان موسى صاحبي ، وما كان دعائي إلّا أن استغفرت ، قالوا : لأنهما كالمفعول والفاعل ، فمتى خفي الإعراب التزم كل في مرتبته . وهذه الآية مما نحن فيه ، فكيف يدعى فيها ذلك ، بل كيف يختاره الزجاج ؟ وقد رأيت كلام الزجاج هنا فيمكن أن يؤخذ منه جواب عن هذا المكان ، وذلك أنه قال : « إلّا أن الاختيار إذا كانت » الدعوى في موضع رفع أن يقول : « فما كانت دعواهم » ، فلما قال :
« كانَ دَعْواهُمْ »
دل على أنه « الدعوى » في موضع نصب ، غير أنه يجوز تذكير « الدعوى » وإن كانت رفعا » . قلت : فمن هنا يقال : تذكير الفعل فيه قرينة مرجحة لإسناد الفعل إلى
« أَنْ قالُوا »
، ولو كان مسندا للدعوى لكان الأرجح « كانت » ، كما قال ، وهو قريب من قولك : « ضربت موسى سلمى » ، فقدمت المفعول بقرينة تأنيث الفعل ، وأيضا فإنّ ثمّ قرينة أخرى ، وهي كون الأعرف أحقّ أن يكون اسما من غير الأعرف . و « الدعوى » تكون بمعنى الدعاء ، وبمعنى الادعاء ، والمقصود بها هنا يحتمل الأمرين جميعا ، ويحتمل أيضا أن تكون بمعنى الاعتراف ، فمن مجيئها بمعنى الدعاء ما حكاه الخليل : « اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين » يريد : في صالح دعائهم ، وأنشدوا قول الشاعر :
2153 - وإن مذلت رجلي دعوتك أشتفي * بدعواك من مذل بها فتهون « 2 »
ومنه قوله تعالى :
فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ
« 3 » . وقال الزمخشري : ويجوز : فما كان استغاثتهم إلا قولهم هذا ، لأنه لا يستغاث من اللّه تعالى بغيره ، من قولهم دعواهم : يا لكعب . « وقال ابن عطية : « وتشتمل الآية أن يكون المعنى : فما آلت دعاويهم التي كانت في حال كفرهم إلى الاعتراف » ، كقوله :
2154 - وقد شهدت قيس فما كان نصرها * قتيبة إلّا عضّها بالأباهم « 4 »
هامش
( 1 ) آية ( 23 ) .
( 2 ) البيت لكثير عزة انظر ديوانه ( 176 ) ، التهذيب ( 14 / 435 ) ، ( مذل ) الطبري ( 12 / 304 ) ، اللسان ( مذل ) .
( 3 ) سورة الأنبياء ، آية ( 15 ) .
( 4 ) البيت للفرزدق انظر ديوانه المقتضب ( 4 / 90 ) ، اللسان ( بهم ) البحر ( 4 / 269 ) .