تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
زمنا قليلا تذكركم ، أي : أنهم لا يقع تذكرهم إلّا في بعض الأحيان ، ونظيره : « زمنا قليلا قيامك » . وقد قيل : إنّ
« ما »
هذه نافية ، وهو بعيد ، لأن
« ما »
لا يعمل ما بعدها فيما قبلها عند البصريين وعلى تقدير تسليم ذلك فيصير المعنى : ما تذكّرون قليلا ، وليس بطائل ، وهذا كما سيأتي في قوله تعالى :
كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ
« 1 » عند من جعلها نافية . وهناك وجه لا يمكن أن يأتي هنا ، وهو أن تكون
« ما »
مصدرية ، وهي وما بعدها في محل رفع بالفاعلية ب
« قَلِيلًا »
الذي هو خبر « كان » ، والتقدير : كانوا قليلا هجوعهم . وأما هنا فلا يمكن ذلك لعدم صحة نصب
« قَلِيلًا »
بقوله :
« وَلا تَتَّبِعُوا »
، حتى يجعل
« ما تَذَكَّرُونَ »
مرفوعا به . ولا يجوز أن يكون
« قَلِيلًا »
حالا من فاعل
« تَتَّبِعُوا »
، و
« ما تَذَكَّرُونَ »
مرفوع به ، إذ يصير المعنى أنهم نهوا عن الاتباع في حال قلة تذكرهم وليس ذلك بمراد . وقرأ الأخوان وحفض
« تَذَكَّرُونَ »
بتاء واحدة وتخفيف الذال ، وابن عامر بتاءين وتخفيف الذال ، والباقون بتاء وتشديد الذال ، وهي واضحات ، تقدم معناها في الأنعام « 2 » .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 4 ]

وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ( 4 ) قوله :
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها .
في
« كَمْ »
وجهان : أحدهما : أنها في موضع رفع بالابتداء ، والخبر الجملة بعدها ، و
« مِنْ قَرْيَةٍ »
تمييز ، والضمير في
« أَهْلَكْناها »
عائد على معنى
« كَمْ »
، وهي هنا خبرية للتكثير ، والتقدير : وكثير من القرى أهلكناها . ونقل أبو البقاء عن بعضهم أنه جعل
« أَهْلَكْناها »
صفة ل
« قَرْيَةٍ »
، والخبر قوله :
« فَجاءَها بَأْسُنا »
، قال : « وهو سهو ، لأن الفاء تمنع من ذلك » . قلت : ولو ادعى مدع زيادتها على مذهب الأخفش لم تقبل دعواه ، لأن الأخفش إنما يزيدها عند الاحتياج إلى زيادتها . والثاني : أنها في موضع نصب على الاشتغال بإضمار فعل يفسره ما بعده ، ويقدر الفعل متأخرا عن
« كَمْ »
لأن لها صدر الكلام ، والتقدير : وكم من قرية أهلكناها أهلكناها . وإنما كان لها صدر الكلام ، لوجهين : أحدهما : مضارعتها ل
« كَمْ »
الاستفهامية . والثاني : أنها نقيضة « ربّ » ، لأنها للتكثير ، و « ربّ » للتقليل ، فمل النقيض على نقيضه ، كما يحملون النظير على نظيره . ولا بدّ من حذف مضاف في الكلام ، لقوله تعالى :
« أَوْ هُمْ قائِلُونَ »
، فاضطررنا إلى تقدير محذوف ، ثم منهم من قدّره قبل
« قَرْيَةٍ »
: أي : كم من أهل قرية ، ومنهم من قدّره قبل ها في
« أَهْلَكْناها »
، أي أهلكنا أهلها . وهذا ليس بشيء ، لأن التقادير إنما تكون لأجل الحاجة ، والحاجة لا تدعو إلى تقدير هذا المضاف في هذين الموضعين المذكورين ، لأن إهلاك القرية يمكن أن يقع عليها نفسها ، فإنّ القرى قد تهلك بالخسف والهدم والحريق والغرق ونحوه . وإنما يحتاج إلى ذلك عند قوله :
« فَجاءَها »
، لأجل عود الضمير من قوله :
« هُمْ قائِلُونَ »
عليه ، فيقدر : وكم من قرية أهلكناها فجاء أهلها بأسنا . قال الزمخشري : « فإن قلت : هل يقدر المضاف الذي هو الأهل قبل
« قَرْيَةٍ »
أو قبل الضمير في
« أَهْلَكْناها »
؟ قلت : إنما يقدر المضاف للحاجة ، ولا حاجة ، فإنّ القرية تهلك
هامش
( 1 ) سورة الذاريات ، آية ( 17 ) . ( 2 ) آية ( 152 ) .