كما يهلك أهلها . وإنما قدرناه قبل الضمير في
« فَجاءَها »
لقوله :
« أَوْ هُمْ قائِلُونَ »
. « وظاهر الآية أن مجيء البأس بعد الإهلاك وعقيبه ، لأن الفاء تعطي ذلك ، لكن الواقع إنما هو مجيء البأس ، وبعده يقع الإهلاك . فمن النحاة من قال : الفاء تأتي : بمعنى الواو ، فلا ترتب ، وجعل من ذلك هذه الآية ، وهو ضعيف . والجمهور أجابوا عن ذلك بوجهين :
أحدهما : أنه على حذف الإرادة ، أي : أردنا إهلاكها ، كقوله :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
« 1 » ،
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
« 2 » ، « إذا دخل أحدكم الخلاء فليسمّ اللّه » .
الثاني : أن المعنى :
« أَهْلَكْناها »
أي : خذلناهم ، ولم نوفقهم فنشأ عن ذلك هلاكهم ، فعبر بالمسبب عن سببه ، وهو باب واسع . وثم أجوبة ضعيفة منها أن الفاء هنا تفسيرية ، نحو : « توضّأ فغسل وجهه ثمّ يديه » ، فليست للتعقيب ، ومنها أنها للترتيب في القول فقط ، كأنه أخبر عن قرى كثيرة أنه أهلكها ، ثم قال : فكان من أمرها مجيء البأس . ومنها ما قاله الفراء وهو أن الإهلاك هو مجيء البأس ، ومجيء البأس ، هو الإهلاك ، فلما كانا متلازمين لم يبال بأيهما قدمت في الرتبة ، كقول : « شتمني فأساء وأساء فشتمني » ، فالإساءة والشتم شيء واحد » . فهذه ستة أقوال . واعلم أنه إذا حذف مضاف وأقيم المضاف إليه مقامه جاز لك اعتباران :
أحدهما : الالتفات إلى ذلك المحذوف .
والثاني - وهو الأكثر - : عدم الالتفات إليه ، وقد جمع الأمران ههنا ، فإنه لم يراع المحذوف في قوله :
« أَهْلَكْناها فَجاءَها »
، وراعاه في قوله :
« أَوْ هُمْ قائِلُونَ »
، هذا إذا قدرنا الحذف قبل
« قَرْيَةٍ »
. أما إذا قدرنا الحذف قبل ضمير
« فَجاءَها »
، فإنه لم يراع إلا المحذوف فقط ، وهو غير الأكثر . قوله :
« بَياتاً »
فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه منصوب على الحال ، وهو في الأصل مصدر ، يقال : بات يبيت بيتا وبيتة وبياتا وبيتوتة . قال الليث : « البيتوتة : لدخولك في الليل . فقوله :
« بَياتاً »
أي : بائتين . وجوّزوا أن يكون مفعولا له ، وأن يكون في حكم الظرف . وقال الواحدي : قوله :
« بَياتاً »
، أي : ليلا وظاهر هذه العبارة أن يكون ظرفا ، لولا أن يقال : أراد تفسير المعنى . قوله :
أَوْ هُمْ قائِلُونَ
هذه الجملة في محل نصب نسقا على الحال ، و
« أَوْ »
هنا للتنويع ، لا لشيء آخر ، كأنه قيل : أتاهم بأسنا تارة ليلا ، كقوم لوط ، وتارة وقت القيلولة ، كقوم شعيب . وهل يحتاج إلى تقدير « واو » حال قبل هذه الجملة أم لا ؟ خلاف بين النحويين . قال الزمخشري : « فإن قلت : لا يقال : « جاء زيد هو فارس » بغير « واو » ، فما بال قوله تعالى :
« أَوْ هُمْ قائِلُونَ »
؟ قلت : قدّر بعض النحويين الواو محذوفة وردّه الزجاج ، وقال : « لو قلت : جاءني زيد راجلا ، أو هو فارس - أو : جاءني زيد هو فارس ، لم يحتج إلى « واو » ، لأن الذكر قد عاد على الأول » . والصحيح أنها إذا عطفت على حال قبلها حذفت الواو استثقالا ، لاجتماع حرفي عطف ، لأن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل ، فقولك : « جاء زيد راجلا أو هو فارس » كلام فصيح وارد على حده ، وأما « جاءني زيد هو فارس » فخبيث .
« قال الشيخ : « أما بعض النحويين الذي أبهمه الزمخشري فهو الفراء . وأما قول الزجاج : التمثيلين لم يحتج فيه إلى الواو ، لأن الذكر قد عاد على الأول ، ففيه إبهام ، وتعيينه أنه يمتنع دخولها في المثال الأول ، ويجوز في المثال
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 6 ) .
( 2 ) سورة النحل ، آية ( 98 ) .