الثاني ، فليس انتفاء الاحتياج على حد سواء ، لأنه في الأول لامتناع الدخول ، وفي الثاني لكثرته ، لا لامتناعه » .
قلت : أما امتناعها في المثال الأول فلأن النحويين نصوا على أن الجملة الحالية إذا دخل عليها حرف عطف امتنع دخول واو الحال عليها ، والعلة فيه المشابهة اللفظية ، ولأن « واو » الحال في الأصل عاطفة .
ثم قال الشيخ « 1 » : « وأما قول الزمخشري : والصحيح إلى آخره ، فتعليله ليس بصحيح ، لأن « واو » الحال ليست بحرف عطف ، فيلزم من ذكرها اجتماع حرفي عطف ، لأنها لو كانت حرف عطف للزم أن يكون ما قبلها حالا ، حتى يعطف حالا على حال ، فمجيئها فيما لا يمكن أن يكون حالا دليل على أنها ليست واو عطف ، ولا لحظ فيها معنى واو عطف ، تقول : جاء زيد والشمس طالعة ، فجاء زيد ليس بحال ، فيعطف عليها جملة حال ، وإنما هذه الواو مغايرة لواو العطف لكل حال ، وهي قسم ، من أقسام الواو ، كما تأتي للقسم ، وليست فيه للعطف ، كما إذا قلت :
واللّه ليخرجنّ » . قلت : « أبو القاسم لم يدع في واو الحال أنها عاطفة ، بل يدعي أن أصلها العطف ، ويدل على ذلك قوله : « استعيرت للوصل » ، فلو كانت عاطفة على حالها لما قال : « استعيرت » ، فدل قوله ذلك على أنها خرجت عن العطف ، واستعملت لمعنى آخر ، لكنها أعطيت حكم أصلها في امتناع مجامعتها لعاطف آخر ، وأما تسميتها حرف عطف فباعتبار أصلها ، ونظير ذلك أيضا واو « مع » ، فإنّهم نصوا على أن أصلها واو عطف ، ثم استعملت في المعية ، فكذلك واو الحال لا امتناع أن يكون أصلها واو العطف .
ثم قال الشيخ : « وأما قوله : « فخبيث » ، فليس بخبيث ، وذلك أنه بناه على أن الجملة الحالية إذا كانت اسمية ، وفيها ضمير ذي الحال ، فحذف الواو منها شاذ ، وتبع في ذلك الفراء ، وليس بشاذ ، بل هو كثير في النظم والنثر » قلت : قد سبق أبا القاسم في تسمية هذه الواو حرف عطف الفراء ، وأبو بكر بن الأنباري ، قال الفراء :
« أَوْ هُمْ قائِلُونَ »
فيه واو مضمرة ، المعنى : أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو وهم قائلون ، فاستثقلوا نسقا على إثر نسق ، ولو قيل لكان صوابا » . قلت : قد تقدم أن الشيخ نقل أن الواو ممتنعة في هذا المثال ، ولم يحك خلافا ، وهذا قول الفراء :
« ولو قيل لكان صوابا » مصرح بالخلاف له . وقال أبو بكر : أضمرت واو الحال ، لوضوح معناها ، كما تقول العرب :
« لقيت عبد اللّه مسرعا أو هو يركض » فيحذفون الواو لأمنهم اللبس ، لأن الذكر قد عاد على صاحب الحال ، ومن أجل أنّ « أو » حرف عطف ، و « الواو » كذلك ، فاستثقلوا جمعا بين حرفين من حروف العطف ، فحذفوا الثاني » . قلت :
فهذا تصريح من هذين الإمامين بما ذكره أبو القاسم ، وإنّما ذكرت نصّ هذين الإمامين ، لأعلم اطلاعه على أقوال الناس ، وأنه لا يأتي بغير مصطلح أهل العلم ، كما يرميه به غير مرة . و
« قائِلُونَ »
من القيلولة ، يقال : قال يقيل قيلولة ، فهو قائل ، كبائع ، والقيلولة : الراحة والدعة في الحر وسط النهار ، وإن لم يكن معها نوم . وقال الليث : هي نومة نصف النهار » . قال الأزهري : « القيلولة » : الراحة وإن لم يكن فيها نوم ، بدليل قوله تعالى :
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
« 2 » والجنة لا نوم فيها . قلت : ولا دليل فيما ذكر ، لأن « المقيل » هنا خرج عن موضوعه الأصلي إلى مجرد الإقامة بدليل أنه لا يراد أيضا الاستراحة في نصف النهار في الحر ، فقد خرج عن موضوعه عندنا وعندكم إلى ما ذكرته لك . والقيلولة : مصدر ، ومثلها : القائلة والقيل والمقيل .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 5 إلى 9 ]
فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 5 ) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( 6 ) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ( 7 ) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ( 9 )
هامش
( 1 ) انظر البحر ( 4 / 269 ) .
( 2 ) سورة الفرقان ، آية ( 24 ) .